«هل الولايات المتحدة مجبرة بإعلان الحرب على إسرائيل؟». بكلّ جديّة طرحت بعض الصحف السياسيّة الأمريكيّة هذا السؤال. فقد اعتدت إسرائيل على سفينةٍ تحمل العلم التركي في المياه الدولية، وأوقعت قتلة وجرحى.
وتركيا عضوٌ في حلف الأطلسي، دون أن تكون إسرائيل كذلك، وتستطيع بموجب البند الخامس من ميثاق الحلف أن تطلب من بقيّة الأعضاء اعتبار هذا عدواناً عليها جميعاً، يتوجّب عليهم مساعدتها على ردّه بالقوّة إن استلزم الأمر».
الإدارة الأميركيّة في حرجٍ شديدٍ من الأمر، فعليها إذن أن تختار نهائيّاً بين حليفين أساسيين؛ وحاولت ردع تركيا من تقديم أيّ طلبٍ من هذا النوع إلى مجلس الحلف؛ خاصّةً وأنّ حجّة تركيا مقبولة، ليس فقط من حلف الأطلسي بل أيضاً انطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة.
هكذا فحتّى ولو كان في محاولة خرق الحصار على غزّة نوعٌ من الاستفزاز لإسرائيل، إلاّ أنّ هذا الحصار غير قانونيّ أصلاً من وجهة النظر الدوليّة. وقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة برفعه فوراً.
ولكن يبدو أنّ الأمور بعد الاعتداء على «قافلة الحريّة» لن تنتهي هنا. فقد هدّدت تركيا أنّه يمكنها أن تراسل مرافقة عسكريّة لأيّ قافلة مماثلة. ربمّا لن تذهب إلى هذا الحدّ.
لكنّ هناك أيضاً أبعادا أخرى للموضوع: فبعض السفن التي تمّ التهجّم عليها في المياه الدولية يونانيّة، واليونان أيضاً عضوٌ في حلف الأطلسي، وفي الاتحاد الأوروبي؛ ويحقّ لها الاستنجاد بالإثنين. وهناك أيضاً سفينة إيرلنديّة في طريقها إلى غزّة، وقافلة حريّة جديدة قيد التحضير.
ماذا يعني كلّ هذا على مستوى إدارة أوباما ومنطقة الشرق الأوسط؟
كانت أوّل خطوة للرئيس الأمريكي الجديد، في قطيعةٍ مع سياسة سلفه، هو زيارة لتركيا وخطاب للعالم الإسلاميّ، أكملها بعدها بزيارةٍ إلى القاهرة وخطابٍ جديد. ثمّ انتقل الاهتمام عن منطقة الشرق الأوسط وعن عملية السلام العربي - الإسرائيلي.
خاصّةً مع تطوّرات الأزمة الماليّة العالميّة وصعوبات تنفيذ برنامجه الاجتماعي الداخليّ، وبعدما ارتكبت إدارته أخطاءً تكتيكيّة في هذا الملفّ. فقد ركّزت مثلاً على قضيّتي المستوطنات وتطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربيّة، دون العمل على وضع إطارٍ للحلّ النهائي، فخسرت الإدارة الإسرائيليين والعرب على السواء.
في هذه الأثناء تتغيّر منطقة الشرق الأوسط بسرعةٍ كبيرة. فها هي تركيا تدقّ إسفيناً في محاولات فرض العقوبات على إيران، بعد اتّفاقها مع هذا البلد والبرازيل على طريقةٍ لتداول المواد النوويّة يتوافق مع الشرعيّة الدوليّة. وها هي تركيا وسوريا تقومان بمناورات عسكريّة مشتركة.
وها هي العربية السعودية تخلق تعاوناً إقليميّاً يحاول احتواء تداعيات الانسحاب الأميركي من العراق ودرء مخاطر انقسام هذا البلد.
وها هي أخيراً مصر مُحرجة في قضيّة غزّة ومتخبّطة في سياساتها بانتظار أن تتّضِح معالم ما بعد الرئيس مبارك. وها هو التصعيد يزداد بين إسرائيل وسوريا وحزب الله ويهدّد بانفجار حربٍ قادمة أوسع من تلك في 2006، خاصّةً وأنّ إسرائيل تزيد يوماً بعد يوم من عزلتها.
المشكلة الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط أنّها تذكّر دائماً من يتناساها بأنّها جرحٌ مفتوح، مع القضيّة الفلسطينيّة والأراضي المحتلّة السوريّة واللبنانيّة، وأنّ هذا الجرح يمكن أن يلقي بآثاره بعيداً.
حتّى أنّه يكلّف الولايات المتّحدة أرواحاً ويشكّل خطراً على أمنها القوميّ بما فيه في أفغانستان وغيرها، كما أشار إلى ذلك الجنرال بترايوس. ودوماً تكون آلية هذا التذكير عنيفة.
فإنّ كانت هذه الآليّة قد ابتدأت مع «قافلة الحريّة» والعدوان عليها وتداعياتهما، أم مع تطوّرات أخرى، فالتذكير سيكون قاسياً. إلاّ أنّ السيّد أوباما سيجِد، عندما سيتذكّر الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية والاحتلال، أنّ المنطقة قد تغيّرت برمتّها؛ وأنّ ما لديه من وسائط، بما فيها الدول العربيّة المسمّاة بـ «المعتدلة»، قد فقدت فعاليّتها.
هنا، كما فيما يتعلّق بالأزمة المالية العالميّة، سيكتشِف السيد أوباما، أنّه إذا ترك «السوق» دون ضوابط، فإنّ هذا السوق سينفلِت بصورةٍ أوسع ممّا يتوقّعه أيّ كان، ويخرّب الدنيا الحقيقيّة، مع خيارات قليلة متاحة... أحلاها مرّ.
رئيس منتدى الاقتصاديين العرب
aita@mofhoum.com