تطورت تركيا تطوراً مدهشاً في السنوات الثماني الأخيرة أي منذ تولى حزب العدالة والتنمية السلطة، وطاول تطورها مختلف المجالات، فقد نما اقتصادها نمواً كبيراً (وكان هذا النمو قد بدأ قبل عقدين أيام الرئيس توركوت أوزال لكنه لم يكن بهذا التنوع وهذه الكثافة)، وارتفع نتيجة ذلك مستوى حياة الأتراك كأفراد، وغدت تركيا بلداً غنياً.
وخرجت بامتياز من منظومة البلدان النامية، وتوصلت في السنة الأخيرة اقتصادياً إلى احتلال المركز السابع في أوروبا والمركز السادس عشر في العالم، وبعد أن كانت بعض بلدان المنظومة الأوروبية تخشى من انضمام تركيا إليها خوفاً من أن تكون عبئاً اقتصادياً عليها،أصبحت تخشى أن تكون قوة مقررة في هذه المنظومة إذا دخلتها.
وفي الوقت نفسه قطعت الحكومة التركية في عهد حزب العدالة، خطوات كبيرة وعديدة في مجال تحقيق الديمقراطية، فأعطت للأقليات القومية بعض حقوقها، وعدلت الدستور، وحجّمت دور العسكر بل همشتهم جزئياً، وأخرجت القضاء من أيدي الغلاة، وعمقت في المجال الثقافي ثقافة الديمقراطية وتداول السلطة والتعددية ونزعت عن العلمانية الأتاتوركية استبدادها، ونفذت عديداً من مطالب الأوروبيين تمهيداً لدخولها منظومتهم (وعددها خمسة عشر مطلباً أحدها إزالة العشوائيات من المدن).
وقد شجعت الإدارة الأمريكية والمنظومة الأوروبية الحكومة التركية لاستمرار السير في هذه الطريق التي تعفيها من أعباء عديدة محتملة تجاه تركيا لو سارت بطريق أخرى. ورغم ذلك استمرت دول المنظومة الأوروبية في وضع العراقيل أمام دخول تركيا، وكثيراً ما كانت تسيء إلى كبريائها القومي.
من سمات سياسة حزب العدالة والتنمية البحث عن مجال حيوي تركي جديد، ووجدت ذلك في القوقاز والبلدان العربية، فأخذت تدخل هذا المجال وتكرس وجودها فيه وتعمقه، ولاقت تشجيعاً كبيراً من السياسة الأمريكية والدول الأوروبية، لأن لعب تركيا دوراً إقليمياً رئيساً سيمنع إيران من أن تكون اللاعب الوحيد في المنطقة خارج نفوذ الغرب، كما يساهم في وراثة السياسة السوفييتية القديمة.
ويمنع روسيا المعاصرة من الانفراد بالقوقاز ووسط آسيا (وهو وسط ثقافة تركية) وعلى أية حال لاقت تركيا تشجيعاً ليكون لها مجال حيوي هام، خاصة وأن الدور الإسرائيلي لم يعد فعالاً كما كان عليه الحال في السابق، بعد أن تعذر أن يلعب دوراً مباشراً في العراق وفي أفغانستان، حيث اضطرت الجيوش الأمريكية (والحليفة) أن تقلع شوكها بيديها.
لقد وسعت تركيا مهماتها، فبدلاً من أن تهتم بلعب دور مهدئ في المنطقة وتخفف من غلواء الاستفراد الإيراني فيها، وتبقي وجودها ودورها وجوداً (دفاعياً) مساعداً للغرب ومتمماً لسياسته، بدلاً من هذا تحولت إلى قوة إقليمية أساسية مستقلة في السياسة والمواقف أو شبه مستقلة، تبحث عن مصالحها بالدرجة الأولى وليس عن مصالح الغرب.
وفي الآن نفسه، تبنت سياسة عربية منصفة (منحازة بنظر الغرب)، وظهر عداؤها لإسرائيل للعلن، وحاولت التنسيق مع إيران وخاصة في مجال الدفاع عن برامجها النووية، وأدت مواقفها تجاه العدوان على غزة وحصارها وتجاه المفاوضات غير المباشرة السورية ـ الإسرائيلية إلى اصطفاف واضح مع القضايا العربية وموقف غير متوافق مع السياسة الإسرائيلية، كما كان شأن السياسة التركية منذ اعترافها بإسرائيل.
أصبحت تركيا الآن لاعباً إقليمياً هاماً جداً، وربما يكون أقوى اللاعبين، تطبق نظاماً ديمقراطياً مرضياً، وذات اقتصاد متطور، ويحسب حسابها على النطاق الإقليمي بل والعالمي، ومازالت السياسة الأمريكية والأوروبية بأشد الحاجة إليها، سواء كلاعب إقليمي، أم باعتبارها ذات نفوذ لدى دول المنطقة، أم بسبب قوتها العسكرية وقوتها الاقتصادية.
إلا أن هذه الشروط (الموضوعية والذاتية) التي امتلكتها تركيا ربما أصبحت تخيف أوروبا، فقبل عقد كانت أوروبا تخشى من قبولها بين ظهرانيها خوفاً من أن تبتلى بدولة فقيرة، غير ديمقراطية، لا أهمية لها إقليمياً أو عالمياً باستثناء كونها عضواً في حلف الأطلسي ورأس حربة اتجاه الاتحاد السوفييتي، أما الآن فهناك مخاطر أخرى من قبولها فهي ذات اقتصاد قوي، ذات تأثير في الدول الحليفة العربية والإسلامية والقوقازية ودول آسيا الوسطى، ولها موقع استراتيجي هام بين آسيا وأوروبا، وبالتالي فالخشية من قبولها ودورها المحتمل خشية مشروعة.
إن تغير الشروط الموضوعية والذاتية لم يثن تركيا عن الاستمرار في المطالبة بقبولها عضواً في المنظومة الأوروبية، وما زال رجب طيب أردوغان يذكر الأوروبيين بذلك، وتحاول السياسة التركية أن لا تقطع شعرة معاوية لامع الغرب ولا مع إسرائيل، مما يسقط بيد أعداء دخولها المنظومة، وقد تبنى أردوغان في الأسبوع الماضي سياسة هجومية تجاه هذا الموضوع، واتهم الأوروبيين بأنهم يريدون منظومتهم نادياً مسيحياً مغلقاً.
يبدو أن السياسة التركية الجديدة، والفوائد التي تجنيها من استغلال مجالها الحيوي ومن لعب دورها الإقليمي، جعلت من المتعذرعليها التراجع، فقد ذهبت بعيداً في هذه الطريق، واكتشفت أهميتها الإقليمية (كمفتاح أيضاً لأهميتها الدولية) والمصالح الجمة التي تحققها من تطبيق هذه السياسة، وتستمر ـ في الوقت عينه ـ محاولاتها الانتساب للمنظومة الأوروبية.
وهذه سياسة حاذقة تتواءم مع مصالح تركيا دون شك، إلا أن أعداء دخول تركيا للمجموعة الأوروبية والقوى الصهيونية قد تضعها مستقبلاً أمام أحد خيارين: إما الاستمرار بتولي مسؤوليات الدور الإقليمي والاستغناء عن (الجنة) الأوروبية، وإما توظيفه لخدمة أوروبا على أمل قبولها، ولكل خيار مخاطره وسلبياته.
كاتب سوري