سوف يسجل التاريخ أن صحافية ظلت في البيت الأبيض لنحو 48 عاماً قد عبّرت عن الضمير العربي العام بأفضل مما عبر عنه السياسيون العرب سواء كانوا في أنظمة الحكم أو في المعارضة.. وأن هذا التعبير لم يكن عفوياً ولا يمثل لحظة ثورة ضد التواطؤ الدولي العام بخصوص القضية الفلسطينية واحتلال العراق..
كما أنه ليس نابعاً من جذورها العربية بقدر ما هو نابع من قناعاتها الإنسانية كأميركية ولدت على أرض الولايات المتحدة ولم تتلوث أو يحدث لها نوع من غسيل الدماغ بفعل الآلة الدعائية الجبارة والمصالح المتشابكة التي تجعل التماهي مع اللوبيات الصهيونية واليمينية القوية شرطاً للصعود وشرطاً للاستمرار تحت الأضواء.
ويكفي أن نقارن آراء هيلين توماس بآراء فؤاد عجمي أو مأمون فندي، فالأول لبناني والآخر مصري لكنهما كثيرا ما يتبنيان أطروحات أميركية متطرفة بغض النظر عن قربها وبعدها من الضمير الإنساني العام، وفي أحيان لا يكتفون بالتساوق مع التطرف الأميركي الذي يظهر في سياسات واشنطن الخارجية على نحو خاص، وإنما يزايدون عليه، ربما لإثبات أنهم أميركيون أقحاح.
استندت هيلين توماس إلى حقائق بسيطة لكنها أضحت من طول نكرانها وكأنها نوع من التجديف في حق الذات العلية او التغريد خارج كل سرب.. صحيح أن أميركا تكره التاريخ لأنها بلد بلا تاريخ يذكر، وفتح ملفاته يعيد مأساة إبادة الهنود الحمر ومأساة ممارسة أبشع أشكال العبودية ضد السود، لكن حين يتحدث أحد عن القضية الفلسطينية فإنما يتحدث عن تاريخ قريب ما تزال أطلاله قائمة حتى اليوم وآثارة ممتده في مخيمات الشتات الفلسطيني وفي الثقافة والتراث اللذين يستعصيان على الانقراض، كما انها حينما تتحدث عن غزو العراق وأفغانستان فإن الأمر يتعلق بسنوات قليلة خلت ما تزال ظلالها تخيم على المشهد في البلدين.
ويبدو أن وصف هيلين وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة بأنها تحولت من «سلطة رابعة وكلاب تحرس الديمقراطية إلى كلاب أليفة»، لا يقتصر فقط على الديمقراطية وإنما يمتد لأبعد من ذلك، ويضرب في الضمير الانساني العام الذي كانت أميركا تتباهي به لعقود منذ مبادئ ويلسون وحتى نهاية عهد كلينتون، لذلك لم تتقبل جماعات المصالح ودبابات الفكر (التي تهندس السياسات الأميركية وتراقب تنفيذها) صرخة الضمير التي أطلقتها هيلين توماس، وراحت تحاول اغتيالها معنوياً على نحو ما حدث لأتباع مدرسة إدوارد سعيد في الأوساط الأكاديمية الأميركية، فتعالت الصرخات المتشنجة ضدها..
صرخات لا تستند إلى منطق، وانما تكتفي بالتحريض.. من نوعية «عودي لترتدي النقاب في بلادك»، «سنرسلك إلى لبنان مع أصدقائك من حماس»، «لقد ظهرت على حقيقتها. إنها مثل كل العرب يكرهون اليهود. قبيحة كما ياسر عرفات»، بل وتجاوز الأمر حد السباب إلى تركيب صور لها تقرنها بهتلر وأحمدي نجاد.
ولمن لم يتابع سبب العاصفة التي هبت على هيلين توماس واقتلعتها من البيت الأبيض ومن مجموعة هيرست التي كانت كاتبة عمود فيها، وتهدد باقتلاعها من العيش الآمن في المجتمع الأميركي، أورد نص التعليقات القصيرة التي استدرجها اليها الحاخام الأميركي ديفيد نيسينوف بعد احتفالية في البيت الأبيض عن التاريخ اليهودي مساء 27 مايو الماضي، فقد سألها: «هل من تعليق على إسرائيل؟»
ـ أجابت: «بحق الجحيم ليخرجوا من فلسطين»،
الحاخام يعيد السؤال: «هل من تعليق أفضل على إسرائيل؟».
ـ ترد قائلة: «تذكر.. هؤلاء تحت الاحتلال، وهذا وطنهم.. فهذه ليست ألمانيا ولا بولندا».
يستطرد الحاخام قائلاً: «إلى أين سيذهب اليهود؟»
ـ تجيب «ليعودوا إلى وطنهم إلى بولندا وألمانيا، إلى الولايات المتحدة، إلى أي مكان آخر».
لن أقول كما قال بيل كلينتون عنها يوماً «الرؤساء يأتون ويرحلون.. لكن هيلين هنا منذ 40 عاماً». بل أقول إن هيلين توماس تحولت إلى شهيدة وشاهدة حية، فالجرافة التي دهست راشيل كوري في رفح هي ذاتها التي دهست هيلين توماس في واشنطن، لكن المتواطئين مع الإجرام الدولى سيرحلون وتبقي راشيل وهيلين درتين لتاج الحق والانسانية، فألف وردة لهما، وألف انحناءة تقدير. سلام على راشيل كوري وهيلين توماس.
