الجولة الرابعة من العقوبات التي فرضت على طهران مؤخراً من قبل مجلس الأمن الدولي، بموافقة 12 عضواً من ضمنهم الأعضاء الخمسة دائمو العضوية فيه، تعتبر نصراً هاماً للدبلوماسية الأميركية التي استطاعت، ليس فقط تحييد روسيا والصين اللتين طالما وقفتا موقفا غير محبذ لرفع سقف العقوبات على إيران، وإنما تمكنت من إقناعهما بضرورة الموافقة على ذلك.

كما أنها أسهمت إلى حد كبير في التخفيف من القلق الذي بدأ يساور الإدارة الأميركية منذ عهد الرئيس الأميركي السابق، من احتمال نشوء تحالف بين روسيا والصين وإيران، يفرض معادلة اتزان جيوسياسية جديدة في آسيا الوسطى، قد يمتد تأثيرها إلى الخليج العربي.

والحقيقة أن هذه العقوبات لم تثمر فقط في تشديد الطوق على طهران، وإنما جلبت معها، وهو أمر في منتهى الأهمية، احتمالات حدوث تصادمات قد تتطور إلى مواجهة عسكرية تقلق إلى حد بعيد أمن المنطقة وتلحق الضرر باستقرارها القلق جداً أصلاً.

فمن أبرز ما جاء في هذه العقوبات، هو اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتسهيل عملية تفتيش السفن المتوجهة إلى الموانئ الإيرانية، حيث ردت طهران بأنها في مقابل ذلك ستقوم بتفتيش السفن الغربية الداخلة إلى الخليج العربي، مما يخلق وضعاً قابلاً للتفجر في هذه المنطقة التي يصدر منها ما يزيد على 50% من حاجة العالم النفطية يومياً.

ورغم هذا التصعيد، فإن الباب لم يغلق أمام الجهود الدبلوماسية التي تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون جر إيران إليها، بشروطهم وليس بشروطها، وهو موقف قد يلتبس تفسيره على المتابعين لأزمة البرنامج النووي الإيراني. فالإدارة الأميركية الجديدة عادت لتكرار ما كانت إدارة الرئيس السابق تكرره، وهو أن جميع الخيارات مفتوحة أمامها.

الموقف الرسمي لطهران هو الاستهانة بقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن العقوبات، فالرئيس الإيراني تحدث عنها بأسلوب المتقزز منها داعياً إلى رميها في مكب النفايات، تلاه الجنرال حسين سالمي أحد القادة الكبار في الحرس الثوري، الذي كان أكثر حصافة حين قال بأن إيران قد هيأت دفاعاتها لمواجهة أسوأ السيناريوهات.

ومع أن موافقة كل من روسيا والصين على حزمة العقوبات هذه، كانت مشروطة بعدم التطرق إلى عقوبات تنعكس تأثيراتها على حياة الفرد الإيراني، أي اشتراط عدم المساس بالقطاع الاقتصادي، خاصة ما يتعلق منه بالقطاع النفطي الذي يعتبر بمثابة عصب الحياة للشعب الإيراني، إلا أنهما من جانب آخر وافقتا، للمرة الأولى، على وقف تصدير السلاح إلى إيران.

على الرغم من أن إيران أحد مستوردي الأسلحة منهما، في خطوة عطلت صفقة الصواريخ المضادة للجو «اس 300» التي كانت طهران في أمس الحاجة إليها للتصدي لهجمات جوية لا تستبعد حدوثها على منشآتها النووية، مما أدى إلى نشوب أزمة مع روسيا وتراجع ملحوظ في العلاقات الإيرانية الروسية.

لكن ما لم يصنعه مجلس الأمن الدولي حفاظاً على وحدة الموقف إزاء طهران، يوشك الاتحاد الأوروبي على صنعه. فقد استدعت كاثرين آشتون مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي للحوار حول البرنامج النووي الإيراني، في الوقت الذي يتهيأ فيه وزراء خارجية الاتحاد لرفع توصية للقمة الأوروبية بفرض حزمة من العقوبات تتجاوز ما أقره مجلس الأمن الدولي، فالعقوبات المتوقعة تشمل حظر الاستثمار في قطاعي النفط والغاز الإيرانيين. كما اتخذت أستراليا من جانبها بضعة قرارات تعزز من الطوق الذي يحكم حول إيران.

دائرة الحصار على إيران تضيق، والطوق حولها يتقلص في مساحته، إلى درجة جعلت البعض يرى أن علاقة إيران بالمجتمع الدولي قد أصبحت قريبة الشبه بعلاقة العراق بهذا المجتمع، غداة قيامه بغزو الكويت، وأن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي وضع العراق تحت رحمته، يوشك كذلك أن يفرد جناحيه على إيران.

ثمة فارق هام بين الحالتين، حالة العراق أثناء الحصار المدمر وحالة إيران التي يضيق الحصار عليها، وهو أن العراق كان متلهفاً للحوار مع الولايات المتحدة ومستعداً لتقديم تنازلات من أجل بقاء النظام في الحكم، في حين أن إيران، كما يبدو في الظاهر، عازفة عن ذلك طالما تشترط الولايات المتحدة تخليها عن برنامجها النووي.

الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون قد توصلوا إلى قناعة تامة بأن البرنامج النووي الإيراني له أهداف ذات طبيعة عسكرية، وأن الحوار مع طهران قد أصبح عقيماً، وأنه لا يوجد جسر مشترك بين الجانبين. ومما يعزز هذا الاستنتاج، أن الغرب ينظر إلى النظام الإيراني وفق تصنيفات المعجم السياسي الذي طورته الولايات المتحدة والدول المنضوية تحت رايتها إبان حقبة الحرب الباردة، وأصبح معجماً دولياً بعد انتهائها.

فالنظام الإيراني يصنف وفق هذا المعجم على أنه نظام شمولي، من الصعوبة تقبل وجوده والتعامل معه في ظل النظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي اندحرت في أطره غالبية الأنظمة الشمولية في العالم.

وقد زاد من قناعة الغرب بذلك، ما قامت به السلطات الإيرانية من حملة قمعية للمعارضة التي ظهرت إلى العلن، إثر الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو من العام المنصرم، وما رافقها من أقاويل تطعن في نزاهتها.

إن أزمة إيران الحالية في علاقاتها مع الغرب، تتطلب معالجة أكثر واقعية وأكثر اتساقاً مع ما دأبت على إعلانه والتبشير به عن شدة اهتمامها بأمن المنطقة وحرصها على سلامتها واستقرارها، فهي ليست في حاجة إلى تفاقم وضعها الداخلي، وإضافة مساحات جديدة لتحرك المعارضة ضدها من جهة، فضلا عن تداعيات دفع المنطقة كلها نحو مزيد من المخاطر، وهو ما يسبب القلق لمعظم دولها، شعوباً وحكومات، من جهة أخرى.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae