يقع بعضنا أحياناً فريسة لهواجسه وظنونه، ويبني أفكاراً وقرارات كبيرة على خواطر مرت بذهنه عابرةً في بادئ الأمر، ثم وجدت لها بيئة خصبة في نفس هذا الشخص، فلا تفرط بسهولة بمثل هذه البيئة ولا ترضى بها بدلا، لأنها مكان صالح لأن ينمو ويترعرع فيه مثل هذه الأفكار التي تكون في معظم الأحيان سوداء..

لذلك تتمسك بهذا المكان، وتتشبث به بيديها وأسنانها، لأنها تعرف أنها لن تجد مكاناً مناسباً لها أكثر منه.

بعضنا يحب كما في المثل الشعبي أن يحول «الحبة إلى قبة»، وحين تمر بذهنه خاطرةٌ عابرة ـ يعرف جيداً في قرارة نفسه أنها ليست صحيحة ـ نراه ينقاد إليها ويتفاعل معها وكأنها هي الأمر الوحيد المؤكد أمامه، ويحولها إلى قضية كبيرة، وقد يتخذ قرارات بقطع علاقته بشخص، أو بترك عمله، أو أي شيء آخر، بناء على هذه «الحبة» التي تحولت في نفسه إلى «قبة»!!

الأمثلة كثيرة، وسأقف على أكثر «الحبوب» التي تتحول بقدرة قادر إلى «قبب» عندنا، وهي الكلمة.. فكلمة بسيطة من شخص ـ قد يكون مقرباً جداً ـ تحوِّل يومَ إنسان، أو ربما حياتَه كلها في بعض الأحيان، من النقيض إلى النقيض..

من هدوء وسكينة إلى غضب وانفعال، لأنه يكون قد أخطأ في طريقة التعامل مع الكلمة التي وصلت أذنيه، وانتقلت منهما مباشرة إلى معمل الهواجس والظنون في نفسه، دون أن تمر على العقل والقلب معاً، لأنها إن مرت عليهما لا بد أن يحدث تغيير على طريقة تأثره بتلك الكلمة.

وانفعاله بها، إذ لا بد أن يكون لحكمة العقل دور في تجلية الغمامة والكشف عن القصد الحقيقي من وراء تلك الكلمة التي أحالت ـ دون قصد من قائلها ـ فردوس العلاقة الحميمة بين الاثنين، سواء زوجين أو صديقين أو أخوين أو جارين أو غيرهما، إلى جحيمٍ من الأفكار والظنون والهواجس السوداء.

وهي إذا مرت على القلب، لا بد أيضاً أن يكون له وللعاطفة التي تسكنه دور في تسكين النفس وتهدئة ثورتها التي تكاد القيامة تقوم معها عند هذا الشخص.. بسبب كلمة. القلب سيذكّر بمكانة هذا الشخص فيه، وسيستعرض عمر العلاقة التي تربطه به، وسيتحدث كثيراً حديثاً عاطفياً من شأنه أن يلين الحجر الصلد، لكن المشكلة أن الكلمة لا تمرّ عليه.

كما لا تمر على العقل أيضاً، بل يحملها الشخص مباشرة من الأذن إلى ذلك المعمل الأسود، ليبدأ عمله واختباراته التحليلية والتأويلية عليها مرة بعد الأخرى، حتى يصل الشخص إلى قناعة تامة بأن كل تلك التأويلات التي مرت في معمله النفسي صحيحة ويقينية، ويصبح الأمل في إقناعه بعكسها أضعف مرة بعد مرة.

ويبدو لي أن ذلك المعمل الأسود موجود في نفس كل واحد منا بدرجة أو بأخرى، لكن هناك من يرهقه عملا أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، ومنا من لا يكاد يستعمله طوال حياته، بما أعطاه الله من بسطة في الحكمة وحسن الظن، والبعض الآخر قد يستعمله بين حين وآخر، ربما على حسب الحالة النفسية!

وكثير من هذه الحالات قد يتسبب في خسارة الناس لبعضهم، وقد يحيل علاقات ذهبية أو ماسية إلى علاقات نحاسية صدئة، والسبب هو كلمة، أو ابتسامة أو ضحكة فُسِّرت خطأ، أو أحياناً نظرة أُوِّلَت بتأويلات أبعد ما تكون عن قصد صاحبها ونيته، وفي أحيان كثيرة تكون النظرة غير مقصودة.

بمعنى أن الشخص يفكر في أمر ما، ولكنّ نظرَه ثبت على شخص آخر دون أن يشعر هو نفسه بذلك، وهو فعلياً لا يرى الشخص الذي ثبت عليه نظره.. إنه يفكر فقط، ومركّز في تفكيره إلى أقصى حد لدرجة تعزله عن المحيط حوله، حتى إذا سُئل لماذا تنظر إلى هكذا؟ نراه يتفاجأ ويقسم أنه لم يكن ينظر لشخص ولا لشيء!

لا بد أن مثل هذا الموقف قد حدث وتكرر حدوثه أمام معظمنا، ولا توجد مشكلة في الموقف برمته إن سأل الشخص ذلك السؤال (لماذا تنظر إلى هكذا؟)، إنما المشكلة حين لا ينطق به ويحتفظ به في نفسه، ويحمله إلى المعمل الأسود ويتحول إلى ما لا يجب أن يتحول إليه.

حينها يصبح الأمر مشكلة، لأنه سيبدأ في التحليل والتأويل اللذين سيبتعدان دون شك ابتعاداً تامّاً عن الواقع، وسيخلقان سحابة سوداء ناتجة عن دخان الأفكار والظنون البعيدة عن الصواب، من شأنها أن تفسد العلاقة بين الاثنين، وتحولها إلى ذكرى من الماضي..

وإذا فكرنا في ذكريات علاقاتنا الجميلة التي غيبها الزمن، سنجد أننا نحن الذين غيبناها حين سمعنا صوت معملنا الأسود، وأخرسنا صوت العقل والقلب وأصوات الناصحين المحبين من حولنا.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com