غداً الخميس تنعقد في بعبدا الجولة الثالثة من جلسات الحوار الوطني اللبناني، في غياب ركن من الحوار هو سمير جعجع، لعلة السفر.
ففي أي مناخ سياسي داخلي ينعقد الحوار؟
سمتان بارزتان تظللان هذا الحوار، الذي لا يعول اللبنانيون أساساً عليه تعويلاً كبيراً، لارتباط أزمات الداخل بالملفات الإقليمية المعلقة:
أولا: حماوة مستجدة بين 8 و14 آذار، بعد فشل مجلس الوزراء في إصدار موقف موحد من المشروع الاميركي الاوروبي لفرض عقوبات جديدة على إيران، واضطراره إلى «موقف اللا موقف» الذي عبر عن نفسه بالامتناع عن التصويت في جلسة مجلس الأمن.
هذا الموقف السلبي أثار جدلاً حامياً بين طرفي آذار، فأركان «8» اعتبروه أدنى من الموقف التركي، وإنكاراً لدور إيران في مساعدة لبنان اقتصادياً بعد حرب تموز 2006، وانصياعاً للقرار الاميركي الذي يغطي اسرائيل المبتهجة بفرض العقوبات على إيران.
أما أركان «14» (بينهم رئيس الحكومة سعد الحريري) والذين انضم إليهم النائب وليد جنبلاط، فاعتبروا أن الامتناع عن التصويت هو الموقف الملائم والذي يحافظ على علاقة لبنان مع الأسرة الدولية التي أجمعت على قرار فرض العقوبات (12 من أصل 15 صوتا في مجلس الأمن).
كما اعتبروا أن الانقسام العربي كان واضحا بين تيار يوافق على فرض العقوبات وآخر يناهضها، وأن لبنان بصفتة ممثلاً للمجموعة العربية في مجلس الأمن، ليس بوسعه إلا أن يتخذ موقفاً محايداً بين التيارين كان التعبير عنه هو الامتناع عن التصويت.
والملاحظ أن هذا الموقف اللبناني، لقي تفهماً واسعاً من كل من ايران وتركيا اللتين أثنتا عليه واعتبرتا أنه أقصى الممكن، في ظل الانقسام العربي والانقسام اللبناني على حد سواء. لكن هذا التفهم لم يسحب نفسه على الفرقاء الداخليين الذين واصلوا انتقاد القرار، كل من زاويته وموقعه ولاعتباراته الخاصه.
ثانياً: جفاء كبير بين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وأركان 14 آذار الذين عابوا عليه انحياز وزرائه إلى صف 8 آذار، في التصويت داخل مجلس الوزراء لصالح رفض العقوبات على إيران وليس الامتناع فقط عن التصويت.
ويأتي هذا الجفاء امتداداً لملاحظات سلبية متراكمة على العماد سليمان من جانب اركان 14 اذار الذين يرون ان مواقف سليمان لم تعد توافقية وانه ينحاز اكثر فاكثر الى صالح 8 اذار وسوريا سواء في مواقفه الخارجية او الداخلية وانه لا يحترم نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة التي اوصلت تيار 14 اذار الى امتلاك اكثرية واضحة في المجلس النيابي.
هل يعني هذا المناخ المتوتر داخليا أن ثمة خطراً على مناخ التهدئة السائد حالياً في لبنان؟ أبداً، فالعلاقات بين الرئيس السوري بشار الاسد والرئيس ميشال سليمان شديدة الوثوق، والعلاقات السورية مع رئيس الوزراء سعد الدين الحريري تخطو بسرعة نحو إشاعة جو من الثقة والارتياح بين الطرفين، خصوصاً أن اللجان المشتركة تتقدم نحو إزالة جميع النقاط التي كانت مثار خلافات بين البلدين.
إلى ذلك يضاف أن العلاقة بين الرئيس الحريري والسيد حسن نصر الله تشهد بدورها تحسنا واضحاً، بعد اللقاء الاخير الذي جمعهما في 7 يونيو/ حزيران الفائت وامتد ما يزيد على ثلاث ساعات متواصلة، في منزل السيد حسن نصر الله تعبيرا عن الود المستعاد بين الطرفين.
هذا الاجتماع الاخير كان الثالث في سلسلة اللقاءات الثنائية بين الزعيمين منذ 7 مايو/ أيار 2008، وقد أجمع المقربون من الحريري ونصر الله على أن اللقاء كان «إيجابياً وودياً وصريحاً ومتطوراً عن ذي قبل».
إنن، خيمة الوفاق السعودي ـ السوري ما زالت مرتفعة فوق لبنان وتظلل مواقفه الكبرى، لكن ذلك لا يمنع أن ثمة ملفات داخلية عدة تنتظر الحكومة، وبعضها شائك ويمكن أن يثير توترات غير قليلة، مثل ملف الموازنة التي لم تنجز مناقشتها بعد في مجلس الوزراء، وملف الاتفاقية الامنية المعقودة بين الادارة الاميركية وقوى الأمن الداخلي اللبناني، والتي تصر قوى المعارضة السابقة على إلغائها أو تعديلها على نحو جديد.
لبنان الذي بدأ يستقبل السياح العرب والأجانب في موسم اصطياف واعد، لا يخشى سوى من مغامرة إسرائيلية جديدة، رغم التطمينات الأميركية والأوروبية المتتالية للمسؤولين اللبنانيين.
كاتب لبناني
adm.admco@gmail.com