لم يُنظر إلى الأزمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة، غداة انتقال الإدارة إلى الرئيس باراك أوباما، بصفتها حدثاً عارضاً. يومها لاحظ كثير من الخبراء أن القضية تتعدى ما هو مألوف عن قانون الأزمات الدورية الذي يحكم مسار النظام الرأسمالي، كما وجدوا أنها علامة فارقة تشهد على تحول عميق في الاقتصاد العالمي، من أخطر ظهوراته الانكفاء المدّوي لدولة الرعاية، ولفلسفتها التاريخية.

مع الإعصار المالي الأميركي قبل عامين، حلت على العالم كله آثار قلّ أن نجت دولة من تداعياتها. حصل ذلك على نطاق عالمي شامل آنذاك، أما اليوم فتأتينا من الآثار والتداعيات حلقةً إثر حلقة.

وبدت الصورة كما لو أن الإعصار سينفرد بالدول على التوالي، مثل ما حصل في اليونان قبل أسابيع ويحصل هذه الأيام في اليابان وسواها من الدول الغنية. كل هذا يعود ليطرح التساؤل من جديد عما يلقي بدولة الرعاية كمقولة ذهبية لمفهوم الدولة/ الأمة على شفا هاوية.. فما الذي بقي الآن من هذه المقولة؟

مرَّ زمن لم يعد الكلام فيه عن الدولة (الأمة) يحظى بمساحة النقاش التي اعتاد العالم عليها خلال العقود المنصرمة، إثر التحول المدوِّي الذي عصف بالسيادات الوطنية مع نهاية القرن العشرين.

آنذاك كانت كل الدلائل التي رافقت ظهور الاندماجات العالمية بصيغتها الجديدة، تشير إلى تراجع مفهوم الدولة، مثلما تدل على تهافت مكانتها على الصعيدين القومي والعالمي. وهذه الحقيقة لم تقتصر على دول بعينها، وإنما طالت جميع الدول، وإن بنسب متفاوتة ومتباينة تبعاً لدرجة تطور كل دولة وانخراطها في النظام العالمي.

وإذا كانت «العولمة» قد أدخلت الغرب في مواجهة مع نفسه، لا سيما لجهة التصادم بين مفهوم الدولة القومية وحرية السوق، فقد بدا مبدأ السيادة في الدول النامية أو الفقيرة هزيلاً للغاية. وذلك عائد إلى أن النظريات السياسية التي أطلقتها العولمة الغربية، عمَّمت قيمها على نظم سياسية طرفية لم تكن ثقافاتها تتوافق دائماً مع التكوين الثقافي للقانون الدستوري الغربي. وهي الدول نفسها التي كشف سير عملها الحقيقي عن علامات التبعية والموالاة.

لعل أهم ما في ظواهر عالم التنمية الجديد، ما يجد ترجمته في الدول الطرفية، فهناك يبرز الوهن والتداعي على أشدهما. وتكشف المعطيات إلى أي حدّ ستعيش الدول هذه في تناقضات: بين أن تسعى إلى التكيُّف وموجبات تسارع الزمن، وبين أن تحتفظ بخصوصيتها الوطنية وهويتها القومية. ويكشف الجدل حول تدفق الاتصال، عن تناقض بقدر ما يكشف عن عجز.

التناقض بين منهج موالاة الدول التي لا تستطيع الذهاب إلى حد المجازفة بأدنى حد من إشراف الحكام على تنشئة المحكومين، وبالتالي تربيتهم سياسياً. أما العجز فهو إخفاق الدول الطرفية في منع تدفقات الاتصال التي تتعلق إلى حد كبير بفاعلين خاصين منتشرين إلى حد ما، ولا يتحلُّون بصفات المشاركة الدولية، كما لا يوجد لديهم باعث على الامتثال للنظام الجديد المبتغى.

غير أن تهافت الحدود والضوابط بين الدول بسبب من استشراء الغزوات الاقتصادية والمالية، سيؤدي إلى نضوب أموال الدولة. ذلك أن فعالية الاقتصاد العابر للحدود، لا تنعكس في جانب الإيرادات فحسب. فالأممية الجديدة تستحوذ على حصة متزايدة من الإنفاق الحكومي أيضاً(...).

ثم إن التسابق المدمِّر والجنوني على إعطاء الدعم المالي إلى الشركات الكبرى، مقروناً بالتنافس على دفع أدنى الضرائب، يميطان اللثام عن تخبُّط السياسات الحكومية في متاهات الاقتصاد المعولم، في حين أن الضغط الذي تعززه المنافسة الدولية، يدفع تلك الحكومات إلى تقديم إغراءات مالية لا تبررها المعايير الموضوعية، حسب ما أكد مؤتمر منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، في وقت سابق. في حين يؤكد خبراء الأمم المتحدة أن إيجاد طرق جديدة «تقي من هذا الشطط»، قد أمسى غاية ملحة جداً.

لكن، كيف يتبدَّى وهن الدولة الآن؟

لقد أصبح من الأمور البديهية، بعد التحول العالمي الذي حدث في السنوات العشرين الأخيرة، أن مبدأ السيادة لم يعد يخضع للمعايير نفسها التي حددتها قواعد اللعبة الدولية قبل نهاية الحرب الباردة، إذ ليس من الضروري أن يكون أحد المجتمعات مستعمَراً لكي يمكننا إثبات أنه تابع لمجتمع آخر.

ولا يكفي لإحدى الدول أن تحوز على مقعد في الأمم المتحدة، لكي تدَّعي ـ بعيداً عن الشكليات القانونية ـ أنها تمارس سيادة كاملة. هذا الشرخ العميق الحادث في مجموعة مواد القانون الدولي، يتجاوز حدود الجدل الأكاديمي المجرَّد بكثير.

وفي اعتقاد عدد من خبراء السياسة الدولية، فإن عوامل مركزية عدة ساهمت في تعزيز التدهور الذي أصاب سيادات الدول في الحقبة الأخيرة، ويمكن هنا ملاحظة ثلاثة عوامل منها:

اولاً؛ الاضطراب المتعاظم في كل مفردات حياتنا، بما في ذلك الاضطراب الذي تواجهه الدولة، ينبع أساساً من فقدان الاتساق المعرفي، إذ تسيطر على الفرد ثلاثة أبعاد متفاعلة: في أولها البيئة التي ينتمي إليها، وثانيها نمط السلوك الذي اعتاده والذي يقوم به، ثم المعلومات التي ترسَّبت في داخله وتلك التي يحصل عليها. وتبعاً لهذا يظهر المأزق عندما تتضارب المعطيات الثلاثة المذكورة.

فالبيئة بمعناها الواسع هي نتاج متداخل لثلاثة عصور لا تزال قائمة، ولا يزال كل منها يملك مؤسساته ومقوماته وقيمه ومفرداته الحضارية، وهي العصر الزراعي، والعصر الصناعي، وعصر المعلومات.

ثانياً؛ نزعة التمركز الاقتصادي التي تستند إلى سيطرة الشركات متعددة الجنسية على حركة التجارة العالمية وعلى الإنتاج العالمي، فهناك نحو 500 شركة تسيطر على 80% من إنتاج العالم و75% من تجارته، ثم جاءت الفضاءات الاقتصادية التي ارتكزت على التكتلات الاقتصادية الإقليمية لتعزز هذه النزعة في التمركز الاقتصادي، وهي التي أسفرت بالتالي عن انتزاع قدرة الدولة على القيام بوظيفتها الأساسية لجهة تشكيل مجتمع الرفاه، مثلما أفقدتها القدرة على تحقيق التوزيع العادل.

ثالثاً؛ إن ما يقابل نزعة التمركز الاقتصادي ويسير إلى جانبها، هو نزعة التثبت الاجتماعي التي أفقدت الدولة قدرتها على تحقيق التماسك، وكذلك على إحداث الشلل في سلطاتها المختلفة.

لقد أنتجت التحولات الأخيرة دولة واهنة، مضطربة، تطوقها غزوات رأس المال من كل جانب، بينما تظهر على خط مواز مشاعر الخوف العام من اضمحلال الدولة، بوصفها مملكة الضرورة لمجتمعات عالمية، لا تزال ديناميات العنف والفوضى واحدة من أبرز وأخطر ما ستواجهه في القرن الحادي والعشرين..

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com