في مذكراته عن حرب الأيام الستة، يسجل الجنرال الإسرائيلي إسرائيل ليور، مدير مكتب ليفي اشكول رئيس وزراء إسرائيل حينها، أن الأخير كان يصرخ في الأيام الأولى للحرب في جنرالاته: ماذا تريدون؟ هل تريدون أن نعيش بالسيف وحده وإلى الأبد؟
لماذا يطل التساؤل برأسه من جديد بعد أحداث أسطول الحرية؟
عند المثقف الإسرائيلي شلومو مواريخ، أن «إسرائيل تركض من نصر إلى نصر حتى تصل إلى نهايتها المحتومة»، فيما يرى الشاعر الإسرائيلي حاييم جوري أن «كل إسرائيلي يولد وفي داخله السكين الذي سيذبحه، فهذا التراب، أي إسرائيل، لا يرتوي فهو يطالب دائما بالمزيد من المدافن وصناديق الموتى».
بنيت إسرائيل على الغش والخداع، واليوم تعيش على حد السيف، لكن الغش سيفتضح أمره في النهاية والسيف الذي تعمل إسرائيل به قتلا، سيرتد بالحسابات المنطقية إلى نحرها، وخاصة في ظل انتفاضة عالمية دينية وعلمانية وحتى ولا دينية ضدها.
أما الزيف والخداع فيأتي عليه مؤخرا أحد أشهر وأهم دعاة حركة «المؤرخون الجدد في إسرائيل» بيني موريس. ففي مقابلة صحيفة له مع يديعوت أحرونوت العبرية، كشف عن وثائق نشرت في كتاب جديد له بعنوان «1948 تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى».
تؤكد أن مندوبين في الأمم المتحدة حصلوا على رشاوى من الحركة الصهيونية لأجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم رقم 181 في 28 نوفمبر 1947، والذي حصل على تأييد 33 صوتا وتم بموجبه منح 55% من فلسطين لليهود وتدويل القدس.
ورغم اعتماد إسرائيل على حد السيف، بدءا من دير ياسين وقبية وصولا إلى أسطول الحرية، إلا أن «نهاية المشروع الصهيوني على عتبات أبوابنا، وهناك إمكانية حقيقية لأن يكون جيلنا آخر جيل صهيوني».. هكذا تحدث أبراهام بورغ، الطفل المزعج في المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية والرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي لأكثر من دورة، وابن الحاخام يوسف بورغ الشهير.
وقد كان توقيت الكلمات المتقدمة مثيرا للعجب والدهشة، فقد أطلقها غداة احتفالات إسرائيل بالذكرى الستين لمولدها عبر كتابه «الانتصار على هتلر»، وفيه شبه الأوضاع الآنية في إسرائيل بتلك التي سادت عشية وصول هتلر وإعلان النازية في ألمانيا. ويصف بورغ إسرائيل بأنها «باتت مزيجا من البلطجة والامبريالية»، ويرى أن «المجتمع الإسرائيلي كيان عنصري قائم على الخوف المستدام».
لم تتوقف إسرائيل كثيرا أمام دروس التاريخ، وأقربها الإدانة الدولية لها عبر تقرير غولدستون الذي فضح ممارساتها في غزة، ذلك أنها خاضعة لدافع قسري مهلك يحملها دوما على تكرار نفس الأخطاء، على الرغم من دروس الماضي الرهيبة.
لا يتسع وقت جنرالات إسرائيل منذ العام 1967 وحتى الساعة، للتوقف أمام مؤرخ بوزن بيني موريس الذي يخلص في عمله السابق الإشارة إليه، إلى أن أسباب التفاؤل في إسرائيل تضيق يوما تلو الآخر، في حين أن العالم العربي وبمساندة العالم الإسلامي يزداد قوة.
أما السياسيون من أمثال نتانياهو، فلا يعيرون اهتماما كبيرا لتساؤلات طرحها المؤرخون الجدد من عينة: ماذا لو دخلت إسرائيل في حرب شاملة مع العرب وبصورة أوسع مما جرى العام 1973، ولم تكن الولايات المتحدة الامريكية في وضع يسمح لها بالتدخل لمصلحة إسرائيل لسبب أو لآخر؟
الناظر بعين المحقق والمدقق للعلاقات الإسرائيلية الامريكية، يرى أنها تمر بمنعطف خطير وغير مسبوق، سيما في ضوء حالة التمرد الشعبوي الأمريكي ضد حالة الارتباط العضوي مع إسرائيل، والتي باتت تؤثر على معطيات الأمن القومي الأمريكي، وتجلى هذا الرفض في ثورة الجنرالات بقيادة ديفيد بترايوس المرشح المحتمل عن الجمهوريين لخوض معركة الرئاسة المقبلة 2012.
والثابت كذلك أن إسرائيل قد اعتمدت في حروبها مع العرب على الدعم المادي والمعنوي من يهود الشتات، سيما يهود أمريكا، غير أن هؤلاء إما سائرون إلى التلاشي أو الانقسام، وعليه فمن سيدعم إسرائيل مستقبلا؟ كما أن الاقتصاد الإسرائيلي هو اقتصاد معونات (أمريكية خصوصا)، كما برهنت حرب 1973 على أن بقاءها مرتبط بالدعم العسكري المباشر.. فهل يمكن بعد ذلك الادعاء بأن الصهيونية قد بنت دولة اسمها إسرائيل؟
الصهيونية الداعمة لعنصرية إسرائيل إلى زوال، هذا ما تؤكده كاثلين كريستون، المحللة السابقة في الاستخبارات الامريكية المركزية ةء، عبر مقال لها نشر على شبكة غخش وفيه تتساءل: هل يمكن أن يظل المخدوعون مخدوعين وأن تقصر عيونهم عن رؤية العري الفاضح للعقيدة العنصرية الكامنة وراء دولة إسرائيل؟
وتضيف: المحررون من الأوهام الإسرائيلية، هم وحدهم القادرون على رؤية الانهيار القادم للصهيونية، مصحوبا بانهيار إسرائيل ذاتها كدولة عنصرية لليهود وحدهم، والتي تلجأ لمنطق القوة العمياء سندا ومعيناً.
فلماذا تتجاهل إسرائيل دوما وأبدا أن من يعش بالسيف فبالسيف يموت؟
كاتب مصري
emileamen@gmail.com