تصاعدت حدة التصريحات بين روسيا وإيران، بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929 بالعقوبات المشددة على إيران، وبموافقة كل من روسيا والصين، الأمر الذي أثار غضبا شديدا في إيران، بينما أثار جدلا واسعا في باقي أنحاء العالم، بما فيها روسيا نفسها.
وقد وصلت حدة الأمور إلى درجة تهديد طهران بإعادة النظر في علاقاتها مع موسكو، وصرح نائب الرئيس الإيراني محمد رضا مير تاج بقوله إن الموقف الحالي لروسيا يتعارض مع مصالحها، مضيفا أنها «ستدفع غالياً ثمن القرار الذي اتخذته».
وأيضا تصريحٍ للبرلماني الإيراني إسماعيل كوثري، دعا فيه الرئيس الروسي دميتري مدفيديف إلى ما وصفه بالتمعن في التاريخ الحديث لروسيا، وذلك كي لا يرتكب الأخطاءَ ذاتها التي أدت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي. ويفسر هذا التصريح بأنه تهديد إيراني لروسيا بالتدخل في أمنها الداخلي في منطقة القوقاز التي تسكنها أغلبية من المسلمين.
والواقع أن هذه الموجة من التصريحاتِ شديدةِ اللهجة، ليس لها ما يبررها، وليس لدى روسيا الكثير لتخسره في إيران، حيث إن المشاريعَ الاقتصادية التي تملكها روسيا في إيران، ليست بتلك الضخامة كي تخشى خسارتها. كما أن إيران ليس لها أي نفوذ ديني في منطقة القوقاز التي تسكنها أغلبية سنية، ويكاد المذهب الشيعي يكون منعدماً فيها تماماً.
ورغم هذا فإن موسكو تستبعد أن يلجأ الإيرانيون إلى استغلال العامل الديني لزعزعة الاستقرار في القوقاز وغيره من الأقاليم الروسية.
الغريب في الأمر أنه لم توجه أي انتقادات للصين على موافقتها على العقوبات، بل توجه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ثاني يوم بعد صدور قرار مجلس الأمن، إلى الصين لحضور افتتاح الجناح الإيراني في المعرض الدولي المقام هناك.
هذا رغم أن موافقة الصين على العقوبات تعتبر مفاجأة للجميع، وليست موافقة روسيا التي كانت متوقعة وممهداً لها بالعديد من التصريحات الصادرة عن الجهات الرسمية الروسية، التي أكدت على مدى أكثر من أسبوعين أنها ستؤيد عقوبات قادمة لإيران.
حقيقة الأمر أن موافقة الصين على العقوبات في حد ذاتها، هي تبرئة لساحة روسيا من أية شكوك حول أنها عقدت صفقات مع الولايات المتحدة وغيرها مقابل تخليها عن إيران، وهو أمر مستبعد تماما.
وواقع الأمر أن إيران كان ينتظرها تهديد كبير أيضا، في حالة عدم موافقة روسيا والصين على العقوبات في مجلس الأمن، حيث كانت واشنطن تلوح منذ فترة طويلة بأنها لن تلجأ لمجلس الأمن لاستصدار قرار بعقوبات جديدة على إيران، ونما إلى علم موسكو وبكين أن هناك مشروع عقوبات شديدة وقاسية ولا تتحملها إيران، ولا حتى حلفاؤها مثل الصين وروسيا اللتين ستتعرضان لخسائر كبيرة، هما وكل من يتعامل مع إيران، إذا ما صدرت هذه العقوبات.
وعلمت موسكو وبكين أن هذا المشروع يناقش في دوائر المجلس الأوروبي الذي سيناط به اتخاذ القرار، وكان حتما على البلدين عمل أي شيء للحيلولة دون صدور هذا القرار، وقد بدا هذا واضحا في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
الذي قال منذ عدة شهور إن أية قرارات بعقوبات على إيران من خارج مجلس الأمن الدولي ستكون مرفوضة تماما، وتنفيذها بالقوة سيرتب آثارا مأساوية وسيؤثر على علاقات روسيا بالدول التي ستقر هذه العقوبات.
وظلت واشنطن تهدد بهذه العقوبات لولا موافقة روسيا والصين على الجلوس لمائدة حوار، للإعداد لمشروع قرار عقوبات يخرج من مجلس الأمن الدولي، وبما أن البلدين شاركا في مناقشة المشروع فمن البديهي أنهما سيوافقان عليه.
لقد ناضلت موسكو وبكين حتى تخرج العقوبات الجديدة على ما هي عليه، والتي هي باعتراف الكثيرين في إيران نفسها جاءت أخف وأقل مما كان متوقعاً، حيث كان يتوقع الإيرانيون عقوبات أشد بكثير، إلا أنهم كانوا يأملون أن ترفضا الصين وروسيا، ولكن رفض روسيا والصين أو حتى رفض إحداهما وموافقة الأخرى.
كان سيعني بالضرورة لجوء واشنطن والغرب لتمرير هذه العقوبات الشديدة عن طريق جهة أخرى غير مجلس الأمن الدولي. ولهذا كان حتما أن توافق كل من الصين وروسيا معا، على القرار الذي بذلتا معا جهودا كبيرة ليأتي على هذا النحو.
كاتب روسي
Luon1935@kin.ru