لم يكن مفاجئاً بالنسبة لي، هذا النجاح الكبير الذي لقيه المؤتمر الأول للمدونين العرب، الذي انعقد على مدى يومين في عجمان قبل أيام، فمشاركتنا في رعاية وتنظيم المؤتمر كانت نابعة من إيماننا بأهمية الحدث وحتمية نجاحه. لكن الأمر الذي فاق التوقعات بالنسبة لي وللكثيرين في واقع الأمر، هو هذا الزخم الإعلامي الكبير الذي جعل أصداء المؤتمر تتردد في أرجاء الوطن العربي الكبير، من مشرقه إلى مغربه.

وكأني بلسان حال الكثيرين ممن تناقلوا نبأ المؤتمر ومجرياته، يقول: «أمن المعقول أن تبادر جهات حكومية بالفعل إلى الاقتراب من «عش الدبابير»، بكل ما يعنيه ذلك من المحاذير والأشواك، وأن تفعل ذلك تحت مظلة جامعة الدول العربية؟!

حسناً، لطالما كان التساؤل في مخيلتي معكوساً: أمن المعقول، بعد انقضاء نحو 12 سنة على دخول العالم عصر التدوين الإلكتروني، أن يبقى الحذر (وربما الجفاء) هو المسيطر على نظرتنا للتدوين والمدونين؟!

في اعتقادي أن وراء هذا الحذر شيئاً من المبالغة والتهويل، فقد سادت في بعض الأوساط حالة من التشكيك في مقدرة المدونين على لعب دور مفيد في حياتنا وثقافتنا. اتهمهم الإعلاميون «التقليديون» بأنهم هشّموا المعايير الإعلامية وخرّبوا أصولها.

رماهم الغيورون على اللغة العربية بالفوضى، وحملوهم مسؤولية ملء الإنترنت بالأخطاء النحوية والإملائية. اتهمهم الحريصون على القانون بإشاعة انتهاك الملكية الفكرية، عبر «القص واللصق» بلا رقيب ولا حسيب. ثم دمغهم بعض الحكومات بختم «المحظور»، لماذا؟ لأنهم قوم مزعجون.

هل هم مزعجون حقاً؟

قبل أسابيع قليلة نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» نتائج دراسة بيّنت أن في مصر وحدها نحو ربع مليون مدونة فاعلة، لم يبلغ عدد تلك التي تجاوزت منها حدود المقبول ووصلت بالتالي إلى ساحات القضاء، سوى خمس أو ست مدونات فقط! النسبة إذن ضئيلة ولا تكاد تذكر، وهي تؤكد الاعتقاد الراسخ لدي، والمتمثل في أن بعضاً منا قد بالغوا في تقدير إزعاج المدونين، سواء للمجتمعات أم للحكومات.

إذا كانت نسبة المدونين «المزعجين» أقل من واحد في الألف، فهل يجوز إطلاق حكم معمم يضع مئات الآلاف من المدونين العرب في خانة سلبية واحدة؟

لقد وقف مدون سعودي شاب في المؤتمر، وألقى عرضاً تقديمياً مبهراً، تحدث فيه عن التدوين المنضبط والملتزم بالقضايا العامة؛ التدوين الذي يمارس النقد البنّاء حيثما ينبغي بلا فظاظة أو حدّة، ويمارس الثناء حيثما ينبغي بلا تزلّف ولا رياء. وكم كان مؤثراً عندما تحدث الشاب وكأنما يدافع عن نفسه وعن أقرانه من المدونين، فأشار إلى دور المدونين في حفظ وإثراء اللغة العربية على شبكة الإنترنت.

هل تعلمون أن اللغة العربية اليوم تحتل المرتبة السابعة في قائمة اللغات الأكثر استخداماً على الشبكة المعلوماتية؟ طرح الشاب السعودي هذا التساؤل، وتوقف قليلاً قبل أن يطرح السؤال التالي: «من برأيكم صاحب الفضل في هذا الإنجاز؟»، ثم أجاب وقد استجمع ثقته وزهوه: «نحن، معشر المدونين».

حريّ بنا أن نواصل بناء جسور من التلاقي والتفاهم مع نحو نصف مليون مدوّن لم يتنكروا للغتهم ولم يديروا الظهر لثقافتهم، فزينوا فضاء الإنترنت بأجمل لغات الدنيا، ونشروا أفكارهم بحروف القرآن الكريم، مستخدمين أدوات الجيل الثاني من الإنترنت.

حري بنا أن نصوّب أخطاءهم، وأن نكافئ منجزاتهم؛ أن نحمل همومهم وأن نحمّلهم رسائلنا، وهذا كله لن يتأتى إلا بإقامة ملتقيات تجمع كلاً من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، والإعلاميين والمدونين ونشطاء الجيل الثاني من الإنترنت.

وهذا بالضبط ما سعينا إليه من خلال المؤتمر الأول للمدونين العرب، الذي تم برعاية كريمة من سمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان رئيس المجلس التنفيذي، وبشراكة مباركة بين الهيئة العامة للمعلومات ودائرة الثقافة والإعلام في عجمان، ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، ومنظمة التنمية الإدارية التابعة لجامعة الدول العربية.

مدير عام الهيئة العامة للمعلومات

salem.alshair@gia.gov.ae