ما أن يشارف العام الدراسي على الانتهاء، أملا بأن تأخذ العديد من الأسر ـ قبل الأبناء ـ استراحة محارب، حتى تبدأ المدارس الخاصة بتذكير أولياء الأمور بضرورة المسارعة بتسجيل أبنائهم للعام الدراسي القادم، بحجة أن الإقبال الكبير على المدرسة من الطلبة الجدد، يجعل من لم يسارع بالتسجيل في خبر كان!
كشكل باهت وممل من أشكال التسويق الذي تحرص عليه العديد من المدارس، حتى قبل معالجة أوجه الخلل وجبر نقاط الضعف والسعي إلى تطوير مختبراتها وبنيتها التحتية وتحسين أدائها بشكل عام!
ولا نستطيع أن ننكر أن التعليم له جناحان؛ جناح ظلت الدولة تحلق به منفردة، حتى فتحت المجال منذ ما يقرب من ثلاثة عقود للاستثمار في المجال التعليمي، للمساهمة في الارتقاء بهذا القطاع وليتم التحليق بالجناح الآخر، أملا في الارتقاء إلى آفاق أعلى وأرحب، لا ليكون أداة سقوط وانحدار.
والاستثمار لا غبار عليه، فهو قائم على تبادل المنافع بين البشر. وفي عالم الأعمال والتجارة السوي، فإن كل مشروع أيا كان طبيعته، له محددان؛ جدوى اقتصادية، ودور اجتماعى.. والتعليم أحد أوجه النشاط التي تتطلب إنفاقا، ولا بد من وجود عائد للقائمين عليه.
إلا أن تغليب حسابات الجدوى الاقتصادية له على الدور الاجتماعي وتحويله إلى مجرد مشروع استثماري ربحي، يذهب به إلى مزالق متعددة تنعكس على مخرجاته شكلا ومضمونا، وتجعلنا دائما فريقين يتحدث كل منهما بلغة لا يفهمها الآخر، بل ليست لديه الرغبة في ذلك.
إن تغليب لغة التجارة على لغة الدور، جعل بعض المدارس الخاصة يتفنن في طرق جمع رسوم إضافية الى جانب الرسوم الدراسية، تحت دعوى المقابلة الشخصية واختبار المستوى، رغم أن الطالب يكون محولا من مدرسة تم اعتمادها من وزارة التربية والتعليم. كما تسعى بعض المدارس للحصول على إيرادات إضافية من طلبتها، مثل إقامة أنشطة لا صفية والسماح لهم بارتداء الملابس الخاصة.. وغيرها.
وربما يأتي يوم يتم فيه تحصيل رسوم أخرى، لاختبار اللياقة الرياضية أو الكفاءة الاجتماعية.. المهم أن تتم الجباية! وأحيانا يتم دفع رسوم لسحب ملفات لأعداد أكبر بكثير من القدرة الاستيعابية للمدرسة، في غياب أية رقابة من الجهات الرسمية، بل إن الرسوم الدراسية لهذه المدارس يتم رفعها من عام إلى آخر بشكل مستفز، للدرجة التي تفوق فيها رسوم بعض الجامعات..
بغض النظر عن البعد الإنساني، وهو أساسي في العملية التعليمية.. مما أضفى عليها شكلا من أشكال الاستغلال المادي الذي يفقدها الأهلية الأخلاقية، وهي شرط أساسي حتى يمكن للمؤسسة التعليمية أن تقوم بدورها على الوجه الأكمل، قبل التجهيزات الفنية والبنية التحتية، والتى تعد من أوجه الخلل الظاهرة..
حيث يفتقد جزء كبير من مدارسنا الخاصة للمعايير الإنشائية المعبرة عن بيئة دراسية متكاملة التجهيزات، من ملاعب ومعامل وغيرها، وهذه قضية أخرى، فبعض هذه المدارس مجرد فلل سكنية تحولت بين عشية وضحاها إلى مدرسة بقدرة قادر، لكنها في الواقع ليست كذلك.
والسؤال؛ أين وزارة التربية والتعليم من ذلك؟
الغريب في الأمر أن نرى الوزارة تسير عكس التيار، حيث سمحت لبعض المدارس بزيادة الرسوم الدراسية بحجة أنها حصلت على تقدير جيد، وحرمت مدارس أخرى من هذه الزيادة وهي في أمس الحاجة إليها لتطوير بنيتها الأساسية.
أما القضية القديمة الجديدة فهي قضية الاهتمام باللغة العربية، فإذا كان من حسنات المدارس الخاصة تحصيل طلابها قدرا من إجادة اللغات الأجنبية، فإن ذلك ليس مبررا لحالة التردي التي وصلت إليها مستوياتهم في التمكن من اللغة العربية بشكل مخيف، وهذا ما رأيته رأي العين في واقع كتابات الملتحقين بالجامعة لدرجة تدعو للخجل، وتقارير الرقابة المدرسية في هيئة المعرفة والتنمية البشرية، هي شاهد على ذلك. فاللغة أكبر من كونها مجرد أداة للتواصل.. اللغة وطن.
وهنا أتذكر حاييم وايزمان عند افتتاح المدارس العبرية في القدس عام 1912، حيث قال «الآن تم بناء الدولة العبرية»، مما يعكس وعي كيان مغتصب أن بقاءه مشروطا ببقاء لغة كانت في عداد الأموات، وعلى الرغم من تعدد أعراق ولغات المجتمع الأسرائيلي، إلا أن اللغة العبرية هي لغة التعليم الأولى في كافة المؤسسات التعليمية.
ولا شك أن هناك جهودا حثيثة تبذل لرأب الصدع وتصحيح المسيرة، ويأتي القرار الوزاري الخاص بتشكيل لجنة لشؤون التعليم الخاص نموذجا للسير في الاتجاه الصحيح، حيث يضم في عضويته كافة أطياف المنظومة المسؤولة والمعنية بشأن المدارس الخاصة، بعيدا عن العمل بأسلوب الجزر المنعزلة.
كما أن إشراك الجمهور في عملية صنع القرار، على جانب كبير من الأهمية لتقييم العملية التعليمية، التي أرى أنها يجب أن لا تقتصر على معيار التجهيزات الفنية والإنشائية، رغم أهميتها، دون النظر إلي مخرجاتها وجودتها، وأن يكون للجانب التربوي نفس أهمية الجانب التعليمي، باعتبارالوزارة معنية بالتربية والتعليم.
وعلى الجانب الآخر، فإن عملية التقييم التي تتم للمدارس الخاصة وتصنيفها تساعد في إلقاء الضوء على جوانب الضعف، حتى يمكن لها تداركها وأن تطور من أوضاعها، إلا أن ذلك لا بد أن يتم عبر آليات محددة تعود بالنفع على المنظومة كافة، دون أن تكون سببا في انتكاس إحدى مكوناتها.
فالمسارعة بالإعلان عن هذا التصنيف في وسائل الإعلام وغيرها، دون إعطاء المسؤولين عنها وقتا كافيا لترتيب البيت من الداخل، يحرمها من استقبال طلاب جدد وبالتبعية من مصدر مالي يعينها على التطوير المطلوب، ولكن من المهم أن يتم ذلك في خطين متوازيين بما يعود بالنفع على الجميع. ويمكن أن تتخذ هيئة الاعتماد الأكاديمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أنموذجا يمكن انتهاجه.
إن النهوض بقطاع التعليم قبل الجامعي ومؤسساته، هو إحدى أهم ركائز التعليم الجامعي الذي يعد بدوره ركيزة النهضة المجتمعية الشاملة. من هنا فاستمرار حالة النقاش المجتمعي حول التعليم بكافة أشكاله، لهو ضرورة حتمية يجب الحرص عليها.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com
