حالة اقتصاد العالم، وكل إقليم ودولة فيه، بعد الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، وما العمل بعد الذي حصل، لا تزال الموضوع الأهم، سواء بين علماء الاقتصاد أو الكتاب الصحفيين الاقتصاديين أو رجال الأعمال والمال.
والأكثر من ذلك على مستوى القيادات السياسية الدولية. فهل ما اتخذ من إجراءات لحد الآن كفيل بوقف تداعيات الأزمة، أم أن ذلك سيتوقف على الإجراءات التي ستتخذ بعد الآن؟
خلال اجتماعهم في الأسبوع الأول من الشهر الحالي في بوسان (كوريا الجنوبية)، أعطى وزراء المال ومسؤولو المصارف المركزية لبلدان «مجموعة العشرين» تقييما للنتائج الأولية للإجراءات المضادة للأزمة.
التي اتخذت في عدد من الاقتصادات الكبيرة. مفاد التقييم أن الاقتصاد العالمي «يتعافى بأسرع مما كان يتوقع له»، وأن «المحفزات التي فعَّلتها الدول لعبت الدور الأساسي في ذلك».
لكن البيان الختامي المشترك أكد على أهمية ثبات القدرات المالية للدول، وليس استمرار حفز الميزانيات للاقتصاد. وتعكس العبارة الأخيرة مضمون الخلاف الجوهري الذي حدث لأول مرة بين موقفي الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، في نظرتيهما بشأن الإجراءات المضادة للأزمة.
الأولوية المستجدة لدى الاتحاد الأوروبي هي تقليص عجز الموازنات، أما الولايات المتحدة فكانت تصر على مواصلة الدولة ضخ أموال في الاقتصاد. وزير المالية الأميركي تيموثي غايتنر خاطب زملاءه محذرا من أن الطلب في الولايات المتحدة آخذ في التراجع، وأنه لا بد للاقتصادات الكبيرة، في اليابان وألمانيا والصين التي تتمتع بالفوائض، من حفز الطلب الداخلي للتعويض عن هبوط الطلب لدى المستهلكين الأميركيين.
لكن رويترز نقلت عن وزير المالية الألماني فولفانغ شويبليه، قوله إنه لا مناص من بذل جهود حاسمة من أجل تقليص عجوزات الميزانيات، «فالميزانية القوية خير وسيلة لدرء الأزمة» .
حسبما قالت المستشارة الألمانية ميركل لوكالة بلومبيرغ (وبالفعل، اتخذ مجلس الوزراء الألماني في 7 يونيو قرارا بخفض عجز الميزانية بمقدار 80 مليار يورو، وهذا يعادل قرابة 5 .3% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2009 على مدى السنوات الأربع المقبلة).
أما محافظ المصرف الوطني الصيني سياوتشان (والذي تلح عليه الولايات المتحدة لرفع سعر صرف اليوان) فقال، حيال مسألة الامتناع عن حفز الاقتصاد، بأن بلاده سوف تسترشد بحالة سوقها الداخلي (منذ بداية هذا العام عملت السلطات الصينية جاهدة على «تبريد» الاقتصاد).
وهكذا، فبينما قفزت مشكلة المديونية بالنسبة لأوروبا إلى المقدمة، فإن الولايات المتحدة ذات الوضع المالي الحرج، تخشى من أنها سوف تتحمل عبء مكافحة الأزمة، بينما سيستفيد من ذلك الآخرون. المعادلة الصعبة، أو قل القانون الذي يلعب دور المنظم هنا، هو أن «بلدانا تريد أن تجني الفائدة من وراء قيام بلدان أخرى بتشديد تشريعاتها».
هذا الأمر ينطبق أيضا على مسألة الضريبة الجديدة «على المخاطر» بالنسبة للمصارف، حيث يعاد انتظام الاصطفاف بين الدول: بلدان مجموعة زةث (البرازيل، روسيا، الهند والصين) وكندا التي تقف ضد سن هذه الضريبة، بينما الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي تؤيد ذلك، خصوصا بعد أن بذلت أموالا طائلة من أجل إنقاذ مصارف بلدانها.
بين هؤلاء وأولئك أبدت السعودية (الوحيدة التي تمثل دول مجلس التعاون والدول العربية في مجموعة «العشرين») عدم تأييدها لفكرة الضرائب على المخاطر. أما في البحرين فأصبح الحديث لا يجري عن فكرة الضرائب أصلا، بل عن توجه الدولة لدعم المؤسسات المالية لاحقا، بعد أن سبق وأشير أكثر من مرة إلى أن الدولة لن تتدخل في إنقاذ المصارف.
يستطيع المرء بسهولة أن يدرك سبب افتراق الدول الكبرى (أو مجموعاتها) مع الولايات المتحدة وأوروبا حول هذه المسألة. بالنسبة لكندا، مثلا، هذه هي فرصتها التاريخية كي تنقضَّ مصارفها القوية للاستحواذ على عدد من المصارف الأميركية، وهو ما يحدث حاليا لمصارف بعض الولايات الأميركية.
ونستطيع أن نجد لمجموعة زةث والاقتصادات الناشئة الأخرى مبرراتها، حيث لا يلعب القطاع المصرفي ذلك الدور المبالغ في اقتصاداتها، وبالتالي لم يكن المتسبب في حدوث أزمة ألحقت بالغ الأذى بالاقتصاد الوطني، ولا يتوقع له أن يلعب مثل هذا الدور في المستقبل.
ومن الصعب فهم أن لا تولد الظروف الاقتصادية التي تمر بها منطقة الخليج، ارتباطا بالأزمة المالية العالمية، سعيا لإصلاح النظام المصرفي والمالي من أجل تحجيم قطاع المال (والقطاعات الساخنة الأخرى التي تسخر لخدمتها جل قدرات الدولة) في الاقتصاد، وتوجيه الدعم للقطاعات الإنتاجية التي تشكل عمادا حقيقيا للاقتصاد الوطني ولقدرات الدولة. الذي نشهده الآن هو عكس ذلك تماما، حيث تخطط الدولة لإخلاء مواقعها طواعية من هذه القطاعات، في حين يتجه العالم إلى إعادة توطيد مواقع الدولة في الاقتصاد.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com