لماذا لا نلغي التعليم الخاص، هذا هو عنوان الموضوع الذي قرأته في العدد (10939) من البيان، يوم الاثنين 31 مايو 2010، بقلم الأستاذ علي عبيد الذي أداوم أسبوعياً على قراءة ما يكتبه..
والحقيقة أن الأستاذ علي يعتبر اليوم في مقدمة الكتاب الإماراتيين من أصحاب الرأي والكلمة المفيدة، وإني أدعو أولادنا وشبابنا أن يداوموا ما استطاعوا على قراءة مثل هذه المواضيع الجادة ذات النفع، التي يطرحها كتابنا من أمثال بو عبيد، بين حين وآخر.
وكان موضوعه عن التعليم مثيراً، ويستحق أن تعقد له الندوات في وسائل الإعلام لكي يدلي الناس فيه بدلوهم، لأنه موضوع من الأهمية بمكان، بل هو موضوع يأتي في مقدمة أي برنامج أو خطة للتنمية في الدولة، بل هو كما قال الأستاذ بو عبيد مسألة سيادية لا تقل أهمية عن الأمن، إذن.
علينا جميعاّ أن نشارك في البحث عن التعليم المفيد، فبالتعليم وحده نساير ما تشيّده الأمم المتقدمة من الحضارة، وبه وحده نستطيع أن نشارك هذه الأمم ونقف معها جنباً إلى جنب، فنخطط للمستقبل الآمن البعيد عن الشرور.
فنحن أمة صغيرة لا يمكننا أن نجابه المحن بمحن مثلها، ولا الفتن بفتن مثلها مهما تكدس عندنا من العتاد والعدة، بل نستطيع أن نقلل من آثار هذه المحن وهذه الفتن، ونجعل اصطدامنا بها غير مؤلم وقليل التأثير، وذلك بالعلم والتعليم وخلق جيل من أبناء هذه البلاد يؤمنون بالعلم ولا يفكرون إلا به، ويجعلون من هذا البلد نبراساً يشع منه نور العلم عن طريق المؤسسات التعليمية العالية الجودة..
ولست من الذين يتخوفون من التعليم الخاص الذي تمثله المدارس والمعاهد المنتشرة في الإمارات، وخاصة بعد قيام الدولة في أوائل السبعينات من القرن الماضي (ولتاريخها بحث خاص)، ولكني من الذين يعتقدون أن انتشار هذه المؤسسات التعليمية الخاصة أمر طبيعي في بلد متعدد التركيبة السكانية، وفيه أكثر من مائتي جنسية تمثل ثقافات مختلفة، ونموذجا حضاريا مدنيا يقل له مثيل في دول منطقة الشرق الأوسط.
ومن منا يظن أن هذه الظاهرة، ظاهرة التعددية الثقافية، غير صحيحة بل هي لا تخلو من سيئات ويدعو إلى التصدي لدفعها إلى التراجع، فهو غير مصيب وقد يكون مخطئاً، رغم الحس الوطني والحرص على الثقافة الوطنية التي تعلو مثل هذه الدعوة.
التي من المعلوم أنها تحمل هاجساً يتكرر في أقوال هؤلاء الحريصين على المصلحة الوطنية في كل وقت، وهو أن «الوطنية في مشكلة، وهي مهددة بأن يجد المواطن نفسه في يوم من الأيام قد خسر كل شيء» على حد قول هؤلاء..!!
والسؤال الذي أريد إثارته في هذا الموضوع، أليس من حق الناس الذين يعيشون في هذا البلد من ذوي الثقافات والجاليات المختلفة، الحق في أن تكون لهم مؤسساتهم التعليمية التي تعلم أبناءهم ما يختارونه من التعليم؟ ألسنا نحن، أي الإماراتيين، جزءا من هذا العالم الذي لم تعد الأبعاد الجغرافية والفكر العلمي والثقافي تفصلنا عن غيرنا في الشرق والغرب؟
ألسنا نبعث بأولادنا إلى أماكن أخرى يتلقون فيها المعرفة البعيدة عن مفهومنا التقليدي للمعرفة؟ أليست دورالمعرفة والعلوم آتية من بيئة لم تكن لنا بها صلة ثقافية أو أيديولوجية وفكرية؟ ما الفرق في أن نبعث بأولادنا إلى الخارج أو نأتي بهذا الخارج لكي يتواجد عندنا؟!
وليس من زور القول إن التعليم ومخرجاته ونتائجه في الإمارات وفي دول الخليج عامة، مهما ألصقنا به من «نقائض»، هي أفضل من أي مكان آخر في الشرق الأوسط، وأن تعليمنا العام الحكومي والخاص يتقدم بمراحل على التعليم السائد في المناطق المحيطة بنا، ومن يبحث عن الحقيقة التي تكمن في ما حدث من تطوير في جامعاتنا الحكومية وفي مدارسنا الحكومية خلال السنوات الخمس الماضية.
فإنه يكون مجانباً للإنصاف لو حاول أن يصعر خده عن هذه الحقيقة التي تبدو واضحة وبادية للعيان، وعندي أن مستويات التعليم العالي في جامعة الإمارات وجامعة زايد وكليات التقنية، تفوق مثيلاتها في الشرق الأوسط، وتضارع أرقى دور العلم في العالم المتقدم.
ولست أنازع الأستاذ بو عبيد وغيره القول إن اللغة العربية والثقافة العربية والوطنية بوجه عام، قد أصابها شيء من الوهن بسبب الغلبة التي تمثلها اللغة الأجنبية والثقافة الأجنبية، وخاصة الانجليزية التي أصبحت لا مناص لأي إنسان يريد أن يواكب التحولات في الدنيا من أن يفهمها، إن لم يكن ضرورياً أن يتقنها، لكن ذلك لا ينبغي أن يحدث على حساب العربية وثقافتها التي هي لغة أهل البلاد، ومن الواجب.
لكي تعمم العربية وتمشي في طريق متواز، أن تقوم وزارة التربية والتعليم بمساعدة المدارس والمعاهد الخاصة التي يكثر فيها المواطنون، على القيام بتدريس العربية وتقديمها، وذلك بتزويد هذه المدارس بمدرسين عرب مؤهلين على حسابها.
وهذه المدارس والمعاهد والجامعات ليست كثيرة، وهي التي تعتمد في مناهجها على اللغة الانجليزية، أما المدارس التابعة للجاليات الأخرى كالهندية والفلبينية والإيرانية، على سبيل المثال، فإني أعتقد أنه لا ضرورة لهذه المساعدة، لأن الطالب المواطن ليس له وجود في هذه المدارس.
ولست في حاجة إلى القول إن إلزام المدارس والمعاهد الخاصة بتدريس العربية وثقافتها، شيء غير حسن، ولا يجد المرء مثل هذا الإلزام إلا في دول لم تخرج بعد من حالة الركود الاجتماعي والثقافي، وبين هذه الدول والإمارات مدى واسع من التقدم والتطور، وتحتاج هذه الدول إلى خَبَبٍ متواصل لكي تلحق بركب التعليم السائد في الإمارات.
كاتب إماراتي
agh@corys.ae