ضمت منظمة «مراسلون بلا حدود» رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إلى قائمتها التي تطلق عليها اسم «أعداء حرية الصحافة والرأي».

وترى هذه المنظمة في تقريرها السنوي أن بوتين ساعد في تهيئة الظروف المناسبة لملاحقة المنشقين ومخالفي الرأي السائد في روسيا، مشيرة إلى أن حركة «ناشي» المحسوبة على الكرملين ترفع دعاوى قضائية ضد صحف تنتقد الماضي السوفييتي والحكومة الحالية، و«تصطاد جميع من هم غير مرغوب بهم».

مثل هذه التقارير التي تصدر عن منظمات وجهات ذائعة الصيد لتتضمن أشياء وبيانات كاذبة ومحرفة وتبني عليها نتائج غير صحيحة، هذه التقارير تجعلنا لا نحترم هذه المنظمات ولا نعير لمواقفها وأرائها أي اهتمام، ونحن نعلم أن هذه المنظمات لا تضع تقاريرها هذه عن روسيا بالتحديد لتوجهها للشعب الروسي.

لأنها تعلم أن الشعب الروسي يعلم جيدا وأفضل بكثير من الآخرين في الخارج ما يحدث على أرضه، وليس بحاجة لأمثال هذه المنظمات لتنير له طريقه، ولكن هذه المنظمات تضع تقاريرها وتطرح نتائجها للآخرين في الخارج بهدف تشويه سمعة روسيا في العالم، وهذه كلها أشياء من موروثات الحرب الباردة السابقة.

الشعب الروسي ومن قبله الشعب السوفييتي مثقف وواع جيدا لكل ما يحدث في بلاده وخارجها، ولكن الفارق بين المرحلتين أنه في الزمن السوفييتي كان يعلم كل شيء لكنه لا يستطيع الكلام أو الاعتراض، فقد كان الإعلام السوفييتي بكل وسائله حكرا تاما على الدولة والحزب الحاكم، ولم يكن هناك أي مجال لطرح أي رأي معارض، أما الآن فقد تغير الوضع تماما.

حيث لم تعد الحكومة والدولة تملك أكثر من واحد أو اثنين في المئة على الأكثر من وسائل الإعلام، فمن ضمن أكثر من عشرين قناة تليفزيونية فضائية ونحو أربعين قناة محلية، لا تملك الدولة سوى قناتين، ولا تملكهما بالكامل بل بحصة أسهم أساسية فقط.

وباقي المساهمين من القطاع الخاص، ومن بين أكثر من ألف مطبوعة دورية من صحف يومية ومجلات ودوريات أسبوعية وشهرية، لا تملك حصص أسهم أساسية سوى في ثلاث صحف أحدهما تصدر بلغات أجنبية، وباقي الصحف والمطبوعات تملكها جهات خاصة ومؤسسات وأحزاب كلها معارضة للحزب الحاكم حالياً.

ولم يحدث على مدى العشر سنوات الماضية، منذ ظهور بوتين، أن اعتقل أو تم حجز صحافي واحد داخل روسيا في قضايا حرية رأي، هذا في الوقت الذي تركز وتكثف معظم أو جميع صحف المعارضة والصحف المستقلة التي يملكها رجال الأعمال هجومها الشديد على رئيس الوزراء فلاديمير بوتين بالتحديد، وتقريبا لا يوجد أي هجوم على الرئيس ميدفيديف في أية صحيفة.

اللهم بعض السخرية من هامشية موقعه بجانب سلطة بوتين، وأكثر من مرة نشرت صحف روسية واسعة الانتشار رسوم كاريكاتورية سيئة ومهينة لرئيس الوزراء بوتين، وبعض الصحف تطرح مواضيع تمس شخص بوتين وحياته العائلية بشكل سيء ومهين، ولم تتخذ أية إجراءات ضدها، ورفض بوتين اللجوء للقضاء ضد هذه الصحف.

منظمة مراسلون بلا حدود تصف بوتين بالديكتاتور الستاليني القامع للحريات، وتتناسى أن هذا الديكتاتور تنازل عن الحكم وهو في قمة شعبيته ورفض إلحاح جهات كثيرة عليه ليبقى في الحكم، ورفض تعديل الدستور، وفضل أن يعمل في الصف الثاني، فهل يستطيع ديكتاتور أن يتخلى عن إغراء «كرسي الحكم» ويضع نفسه تحت إمرة شخص آخر في الدولة يملك الحق في عزله في أية وقت؟

ماذا يستطيع أن يفعل بوتين لو قرر الرئيس ميدفيديف غدا عزله من رئاسة الحكومة؟، بالقطع لن يعترض لأنه سبق أن احترم الدستور والقانون وترك الحكم بمحض إرادته، ومن يقول أن بوتين مطمئن أن ميدفيديف لن يفعلها ربما يكون على حق، ولكن من أين يأتي الاطمئنان لبوتين إذا كان ـ كما يقولون ـ ديكتاتور؟ إن الديكتاتور لا يطمئن ولا حتى لأقرب الناس إليه.

الحملة على بوتين هي في الواقع حملة على الإنجازات الكبيرة التي حققها خلال فترتي حكمه في الرئاسة، هذه الإنجازات التي وصفتها مجلة التايم الأميركية ب«المعجزات» عندما منحته في استفتائها شخصية العام 2007، ولا نعتقد أن التايم تمنح هذه الصفة لديكتاتور عدو لحرية الصحافة والرأي.

خبيرة الإعلام الروسية

mekhaelovna@mg.ru