منذ لحظة الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية، وإلى يومنا هذا ما زالت تبعات الحدث تتوالى على الإسرائيليين من كل صوب. منها ما وصلتنا أخبارها ومنها ما لم تصل بعد، من خلال الصحف والمواقع الأجنبية. وآخر الأخبار جاءتنا هذه المرة من كوريا الجنوبية، من شرق الدنيا.
كنا نتوقع الاحتجاج يأتينا من المغرب والخليج ومصر والجزائر ولبنان وغيرها من الدول العربية التي ما زالت تغرق في شهر العسل، إلا أننا فوجئنا بالكوريين يدخلون علينا من باب لم نكن نتوقعه.
وعلى أي مستوى؟ على مستوى الزعماء والطلاب والجامعات! أخونا شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني كان يخطط منذ زمن طويل لاختراق الشرق الصناعي. وكوريا تخطط منذ الزلزال الاقتصادي العالمي لزيادة مبيعاتها في العالم.
وكما يتعامل التجار الغربيون مع سذاجة العرب بمنحهم شهادات بيضاء على شكل شهادة ضمان وفاء وإخلاص تحت مسمى دكتوراه فخرية، خطط رئيس جمهورية كوريا الجنوبية منح الرئيس الإسرائيلي دكتوراه فخرية بهذا المعنى إذا ما قرر زيارة كوريا.
وابن العم شيمون بيريز بعد أن شاخ وترهل (87 سنة) ولم تعد يداه قادرتين حتى على حمل عود كبريت بعد أن عاث في فلسطين في عز شبابه حرقا وقتلا وتدميرا وتفجيرا بحق الأطفال والنساء الفلسطينيين، جاء من آخر الدنيا ومن أرض الميعاد فرحا إلى سيؤول لاستلام هذه الشهادة الفخرية التي طالما حلم بها في آخر أيامه. لكن المسكين لم يكتب له أن يهنأ بها.
وبدلا من أن يستقبل بالورود وبالأحضان والاحترام كما تعود الإسرائيليون قبل عقد من الزمن ؟ ذلك قبل أن ينطفئ تألقهم وتنفضح حقيقة دموع التماسيح التي يذرفونها على ماضيهم ؟ استقبله الكوريون بالمظاهرات المعادية وهتفوا وهم يحملون لافتات عريضة كتب عليها: «بيريز القاتل» أثناء تجوله في العاصمة سيؤول.
أما جامعة كوريا الجنوبية فقد قررت إلغاء منحه شهادة الدكتوراه الفخرية احتجاجا على الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية، بعد أن ثبت لها بما لا يدعو للشك أن هذه الفئة من البشر لا تستحق أي تكريم وهي تمنع الدواء والغذاء والماء والقلم والدفتر عن أطفال ونساء ومرضى غزة.
وعلق موقع السي أن أن (والكل يعرف ما تعني كلمة السي آن أن ومن يديرها) بأن الرئيس الإسرائيلي المسكين «لم يحظ باستقبال شعبي كما كان مقررا مسبقا واكتفى بـ «استقبال روبوت كوري»، وألغي من جدول الزيارة المؤتمر الصحفي الذي كان مقررا له بعد اجتماع الرئيسين.
وبينما كان في غرفته يحزم أمتعته لزيارة فيتنام تلقى نكسة أخرى من رئيس هانوي هذه المرة، حيث طلبت الحكومة الفيتنامية تأجيل زيارة شمعون بيريز إلى هانوي إلى أجل غير مسمى لنفس الأسباب.
كوريا الجنوبية دولة اقتصادية وصناعية من الطراز الأول، واستطاعت بسرعة البرق أن تضع نفسها في مصاف الدول المنافسة. فقد تعلموا من اليابانيين الصبر ومن الصينيين الصمت واستفادوا من تجارب الولايات المتحدة الدقة.
وابتعثوا الآلاف من أبنائهم للدراسة في الخارج لا ليتم ضمهم إلى صفوف العاطلين عن العمل كما نفعل نحن من خلال اعتمادنا على العمالة الخارجية التي تأخذ ولا تعطي، بل استبدلوا الخبرات الخارجية ولو كانت عالية بخبرات أبنائهم ولو كانت محدودة. واليوم يضاف إلى رصيد تقدمهم الصناعي موقفهم الإنساني من القضية الفلسطينية. ونتصور بأن مواقف الرجال لا تأتي من فراغ.
لقد كان مؤثرا جدا تلك الصورة التي بثتها وكالة الأنباء الفرنسية وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية لطالب كوري جنوبي وقد فرش الأرض بعلم إسرائيل وقام بتخضيبه باللون الأحمر دلالة على الجرائم اللا أخلاقية واللا إنسانية التي ترتكبها إسرائيل في حق الأبرياء.
قد يتبادر إلى الذهن الآن، ترى أين مواقف رجالات وقادة العرب والجامعات العربية من مواقف الرئيس الكوري ومن الطالب الكوري الجنوبي ومن الجامعة الكورية التي لا تنتمي لا إلى الإسلام ولا إلى الأمة العربية بشيء؟ كيف يستقبل الكوريون الجنوبيون أحد أكثر رجال العصر دموية وإجرامية وكيف نستقبلهم نحن بالأحضان والثقة وشهادات الدكتوراه الفخرية جزاء على ما فعل الإسرائيليون بنا على مدى ستين عام؟
الموقف لا يحتاج إلى عبقرية، إنه قد يكون كلمة أو لوحة أو صورة فوتوغرافية تنشرها وكالة الأنباء الفرنسية. هذا إذا لم نستطع أن نحرك ساكنا خوفا على كرسي أو منصب أو مكتب أو حساب في مصرف.
في فرنسا أعلنت إحدى محطات التلفزة (يوتوبيا) في مهرجانها السينمائي السنوي إلغاء مشاركة جميع الأفلام الإسرائيلية في هذه المهرجان، لنفس الأسباب السابقة الذكر. ورغم تدخل العديد من الجهات الرسمية وغير الرسمية التي تهمها سمعة إسرائيل، لثنيها عن قرارها إلا أنها رفضت التراجع حتى ولو أدى ذلك إلى فشل المهرجان وتكبد الخسائر المالية الباهظة. إنه مجرد موقف، على الأقل موقف.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com