عرف الملف النووي الإيراني الذي يحتل مكانة متقدمة في أخبار العالم منذ سنوات تطورات متناقضة خلال الأسابيع الأخيرة. وفي الوقت الذي بدا فيه أن الملفّ في طريق مسدود وأن دولا مثل الولايات المتحدة وفرنسا تريد تبنّي عقوبات جديدة ضد إيران برزت مبادرة سياسية تجسّدت في الاتفاق الثلاثي الموقّع في 17 مايو الماضي بين إيران والبرازيل وتركيا والذي أعطى أملا بإمكانية الوصول إلى حل عن طريق التفاوض.

كانت البرازيل وتركيا قد أسمعتا صوتا مختلفا اعتبرتا فيه أنه لم يتم استنفاد فرص الطريق الدبلوماسي وأن العقوبات الجديدة سوف تزيد الأمر تعقيدا.

الوثيقة الثلاثية الموقّعة نصّت على أن يتم على الأرض التركية في غضون عام استبدال 1200 كيلو من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 3 .5 بالمائة مقابل 120 كيلو من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 بالمائة للاستخدام في مفاعل بحث نووي قريب من طهران لغايات طبيّة.

الأطراف المعنيّة تقرّ كلها أنه ينبغي تدقيق محتوى الاتفاق وأنه لا يمكن أن يحلّ كما هو الأزمة النووية الإيرانية. لكن العامل المهم يكمن في واقع أنه يفتح الطريق أمام منظور المفاوضات ويقدّم الأسس لتجنّب زيادة التوترات. وردود الأفعال التي أعقبت توقيع الوثيقة لها دلالتها في هذا الشأن.

غداة الاتفاق الثلاثي توصّلت الولايات المتحدة إلى إقناع بقية أعضاء مجلس الأمن بدراسة مشروع جديد لفرض عقوبات جديدة على إيران.

مثل هذا القرار يثير إشكاليات لا سيما أن أغلبية القوى الفاعلة حيال هذا الملف كانت قد استقبلت بالاستحسان توقيع اتفاق 17 مايو الماضي.

ذلك باستثناء القادة الإسرائيليين وامتداداتهم في العالم الذين اعتبروا الاتفاق الثلاثي كفخّ.

النقد الرئيسي الذي يتم توجيهه لإيران هو إعلانها يوم 11 فبراير الماضي أنها أنتجت الدفعة الأولى من اليورانيوم المخصّب بنسبة 40 بالمائة. هناك مفارقة إذن في أخذ الاتفاق بين إيران وتركيا والبرازيل بالحسبان من جهة والإسراع في الإعلان عن لعبة عقوبات جديدة . من جهة أخرى.

هذا يكشف عن عامل جديد ربما سيكون له أهمية استثنائية خلال السنوات المقبلة في العلاقات الدولية. ذلك أن القوى التي سادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية . وخاصّة القوى الغربية . ستجد نفسها غير قادرة على تسيير أمور العالم وحدها كما تشاء. الصين تصعد وروسيا تعود بقوّة لتأخذ مكانها على الساحة الدولية.

وما هو أكثر أهمية واقع أن بعض البلدان المسماة «صاعدة» مثل البرازيل وتركيا ليست هي بصدد تعزيز مكانتها الاقتصادية فحسب . لكنها تؤكّد أيضا إرادتها بلعب دور سياسي أكثر فأكثر بروزا . وليس على المستوى الإقليمي فقط . لكن على الصعيد العالمي أيضا.

هكذا أثارت الوساطة البرازيلية ـ التركية ضيق القوى الكبرى حول ملف كانت تمتلك حتى آنذاك احتكار إدارته. ومنذ عدّة سنوات كانت مجموعة الدول الست . أي الدول الأعضاء الخمس في مجلس الأمن وألمانيا . هي التي تدير المفاوضات مع إيران.

وحول ملف بهذه الدقّة خلط البروز المفاجئ للبرازيل وتركيا الأوراق. وتحدّث البعض عن ولادة دبلوماسية بين بلدان الجنوب. وهذه التسمية لا تبدو مقنعة . ذلك أنها تفترض وجود مصالح مشتركة حول الملفات الدولية الرئيسية. الأمر ليس كذلك اليوم ولن يكون كذلك مستقبلا.

هذا المعطى الجديد شديد الأهمية لا سيما أنه يتعلّق بمسألة منع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. ويمكن التفكير أن تزوّد إيران بالسلاح النووي سوف يدفع قوى إقليمية أخرى إلى التزوّد فيه . مثل المملكة العربية والسعودية ومصر وتركيا. من هنا ينبغي على الدول الكبرى التي تمتلك بأغلبيتها الساحقة السلاح النووي أن تفهم أنها لن تستطيع بعدئذ أن تفرض وجهات نظرها بطريقة أحادية الجانب.

إن الوثيقة التي جرى تبنّيها في الوثيقة النهائية لمؤتمر إعادة تفحّص معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي في واشنطن بتاريخ 28 مايو الماضي لها دلالتها حول الميول التي هي بصدد التبلور.

فللمرّة الأولى في الواقع يتم الضغط على إسرائيل. ذلك أن قرار عقد مؤتمر في عام 2012 حول نزع السلاح النووي في الشرق الأوسط يستهدفها ضمنا في الوقت الذي لم تصف الوثيقة النهائية إيران كالبلد الذي يخرق نظام الحد من التسلّح النووي.

والبيان الذي أصدره باراك اوباما وعارض فيه بقوّة كل محاولة لتسمية إسرائيل لا يغيّر واقع أن ال189 الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية هي التي وقّعت الوثيقة النهائية لواشنطن بعد أيام طويلة من النقاش. كذلك توجّب على الدول النووية التخلّي عن فرض نظام عقوبات مشددة على الأنشطة النووية المدنية. ذلك أن العديد من دول الجنوب اعتبرت مثل ذلك الإجراء يمس سيادتها الوطنية.

مجموع هذه المعطيات تدلّ على أن موازين القوى هي بصدد التطوّر وأن ملامح عالم متعدد الأطراف ومتعدد الأقطاب ترتسم في الأفق. لكن الطريق لا يزال طويلا قبل تحقيق ذلك فعليا.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr