بالرغم من قسوة الحرب المجرمة التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر 2008، واستمرت زهاء ثلاثة أسابيع، سقط خلالها فوق سكان القطاع عشرات وربما مئات آلاف الأطنان من المواد المتفجرة والحارقة، إلا أنه يصح الاستنتاج بأن تداعيات تلك الحرب تبدو متواضعة أمام تداعيات حرب السفن السلمية، التي تنطق بالحرية وتسعى من أجل تحقيقها لأهل القطاع المحاصر.

إسرائيل حفرت ميدان الحرب الديسمبرية عبر حملة واسعة، دبلوماسية وإعلامية للتحريض على قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ ثلاث سنوات. وحشدت إسرائيل حملة من الادعاءات والأكاذيب لتبريرها، ولتأمين الغطاء الدولي لها.

لم تكن الحرب الإسرائيلية تشبه أي حرب سابقة على الفلسطينيين سواء من حيث الوسائل المستخدمة أو من حيث عدد الشهداء والجرحى الذي يزيد عن سبعة آلاف فضلاً عن آلاف المباني التي دُمرت، وبقي الحصار كما بقي الانقسام الفلسطيني.

كانت الجملة الأثيرة التي رددها رئيس لجنة حقوق الإنسان القاضي اليهودي ريتشارد غولدستون، هي أن إسرائيل لا ينبغي أن تفلت من العقاب، ولكنها رغم كل الاجتماعات والتحركات التضامنية والاحتجاجية التي عمت أنحاء العالم، ورغم التقارير الدولية التي تدين الجريمة الإسرائيلية، إلا أن إسرائيل في حقيقة الأمر أفلتت من العقاب.

على أن تلك الحرب التي تميزت بمحدودية زمنها، وبكثافة ومأساوية آثارها على جلود الفلسطينيين، قد شكلت صدمة للرأي العام العالمي، ودفعت إسرائيل إلى نفق عزلة متزايدة، ذلك أن القيادة التي تقف على رأس السياسة الإسرائيلية اليوم، هي أشد تطرفاً، وأكثر كراهية للسلام.

باراك الذي أدار الحرب الديسمبرية هو ذاته الذي يتحمل المسؤولية عن جريمة اغتيال الشهيد محمود المبحوح في يناير الماضي، وهو أيضاً المسؤول عن الجريمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المتضامنين على متن السفينة التركية «مرمرة» وأخواتها في أسطول الحرية، وهو المسؤول عن اقتياد السفينة الايرلندية «رايتشل كوري»، التي كانت متجهة إلى قطاع غزة.

لعل الفلسطينيين بمختلف اتجاهاتهم أدركوا دروس الحرب الإسرائيلية على سفن الحرية، ونشطاء السلام، الذين تتزايد استعداداتهم، لسلوك طريق الحرية إلى غزة. وكان الهدف الإسرائيلي واضحاً للعيان، إذ إن إسرائيل تريد بأي طريقة أن تستدرج ردود فعل فلسطينية غاضبة كإطلاق الصواريخ، لتبرير حرب أخرى على قطاع غزة.

ضبط الفلسطينيون أعصابهم، ولم يوفروا لإسرائيل الذرائع التي تبحث عنها، فكان لابد من عملية إجرامية أشد فظاعة، فوقعت مجزرة سفن الحرية، وفي اليوم ذاته اغتالت إسرائيل بقصف جوي خمسة فلسطينيين، لكن الحكمة الفلسطينية تغلبت مرة أخرى على الجنون الإسرائيلي فوقعت إسرائيل في الفخ.

ثمة هنا درسان يمكن استخلاصهما، الأول، إدراك مدى أهمية العمل على جبهة الرأي العام العالمي، ولتصعيد حالة التضامن السلمي مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي أدى بإسرائيل الدخول في معركة خاسرة مع ذلك الرأي العام، الذي عبر عن تضامنه عبر أسطول الحرية ومن أجل كسر الحصار المفروض على غزة.

أما الدرس الثاني، ويتصل باستنتاج مهم، بشأن أشكال النضال ومدى ملاءمتها للمعطيات الملموسة. تجنب الفلسطينيون استخدام السلاح، وصعدوا من نضالهم الديمقراطي السلمي، فكان أن أدى ذلك إما إلى تحييد القوة العسكرية الإسرائيلية أو إلى استنفارها وارتكاب مجازر وهو ما وقع فعلاً. وأدرك الفلسطينيون أيضاً ولو كمؤشر أولي، مدى أهمية التحالفات الشعبية، ومدى أهمية العمل بالوسائل السلمية مع الرأي العام العربي والإقليمي والدولي، وهو ما جرى تجاهله تماماً، خلال سنوات طويلة ماضية.

صحيح أن مستوى اهتمام وتأثير الرأي العام لا يزال لم يصل بعد إلى مستوى صنع السياسات خصوصاً في الدول الغربية، غير أن ذلك يقتضي إدراك أهمية المراكمة، وعدم الارتكان إلى اليأس، أو الوهم بإمكانية الانتصار بالضربة القاضية.

لا ينبغي ولا يمكن التهوين من الآثار الواسعة التي نجمت عن العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية، وتلك المعارك القادمة التي تنتظرها على الطريق ذاته، الأمر الذي أوقع حتى حلفاء إسرائيل في حرج شديد لم يتمكنوا معه من الدفاع عن سلوكها الإجرامي، بل إن هذا السلوك بات يهدد علاقاتها ببعض حلفائها التقليديين مثل تركيا.

على أن ثمة ما ينبغي على القيادات الفلسطينية إدراكه، وتجاوزه على الفور، إذ من غير المعقول تجاهل مدى خطورة الانقسام الفلسطيني، بما أنه يشكل مبرراً لإسرائيل، فضلاً عن أنه يضعف الفلسطينيين والعرب أيضاً.

صحيح أن الأزمة التي يولدها الحصار على قطاع غزة، هي في طريقها إلى الانفراج، إذ لم يعد في العالم بما في ذلك إسرائيل، من يرغب في مواصلته كما كان الحال، لكن كل ما يقدم من اقتراحات للخروج من أزمة الحصار لا يعدو كونه معالجات جزئية، في أحسن حالتها، يمكن أن تؤدي إلى معالجة البعد الإنساني للحصار، أما أبعاده السياسية فهذه مرتبطة شديد الارتباط بالمصالحة الفلسطينية التي لم يعد ما يبرر تأخير إنجازها.

وأخيراً لابد للفلسطينيين من أن يدركوا أن إسرائيل تعاني من أزمة كبيرة، الأمر الذي يستدعي الاتفاق على استراتيجية موحدة لمواجهة كل تلك الأزمات.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com