أدخلت أزمة قافلة الحرية تركيا إلى قلب الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما يمكن اعتباره تحولاً نوعياً في الموقف التركي من هذا الصراع منذ بدايته وحتى الآن. فحتى في ظل تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة، فقد كان يسعى لأن يلعب دور الوسيط بين حماس وإسرائيل تارة، وبين الأخيرة وسوريا تارة أخرى، وأحد شروط القيام بهذا الدور هو الحياد بين الطرفين.

وهو ما كانت تركيا تنفذه بصورة واضحة، وكانت تركيا في ظل حكم الحزب ذي الأصول الإسلامية ترى أن التعاون مع إسرائيل في العديد من المجالات وفي مقدمتها المجالات العسكرية يعطي لها الفرصة لكي تقوم بالدور المتمثل في التقريب في وجهات النظر بين العرب وإسرائيل.

ولكن جاءت تطورات أزمة قافلة الحرية وما تبعها من مواقف تركية تمثلت في التصريحات التي صدرت عن أركان الحكومة، وإلغاء التدريبات العسكرية المشتركة بين تركيا وإسرائيل، لتؤكد أن تحولاً نوعياً طرأ على الموقف التركي في ما يتعلق بمجمل الصراع العربي الإسرائيلي.

وإذا كان هناك مراقبون يرون أن هناك تردداً وارتباكاً في السياستين الإقليمية والخارجية لتركيا، وذلك لأن تركيا لا تدري ما إذا كانت دولة غربية في الشرق أم هي بلد مسلم بتطلعات أوروبية؟ وحسب وصف أحد كتاب جريدة التايمز البريطانية فهي دولة غير محبوبة في معظم أنحاء الاتحاد الأوروبي، وتتصرف بطريقة بهلوانية مع جيرانها فهي تدعو إلى القيم الغربية في الدول الإسلامية وتحرص على إقامة علاقة وثيقة مع إسرائيل.

ولكن الكاتب لا يدرك أمراً مهماً وهو أن تركيا ومن اجل تحقيق حلمها في أن تصبح عضواً في الاتحاد الاوروبي، قررت أن تقدم نفسها لأوروبا باعتبارها جسر التواصل بينها وبين العالم الاسلامي في وقلبه العالم العربي.

وأنها كانت تعتقد أن إسهامها في إنهاء الصراع العربي الاسرائيلي يمكن أن يكون الجائزة التي تقدمها لأوروبا من اجل الانضمام لها، ولكن الممارسات الإسرائيلية جاءت لتحبط هذا الهدف التركي، وهو ما يبرر الموقف التركي المتشدد من هذه الممارسات في أكثر من مناسبة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

ولكن تطورات قافلة الحرية دفعت تركيا إلى موقف أكثر تقدماً وتشدداً في مواجهة إسرائيل، لأن الأخيرة لم تراع دفء العلاقات بينها وبين تركيا، ولا العلاقات التي تجمع نخب الدولتين، ولا التعاون المشترك بينهما في أكثر من مجال.

ولا انتماءهما معاً إلى المعسكر الغربي، حيث رأت تركيا ان إسرائيل باعتدائها على مواطنين أتراك وسفن ترفع العلم التركي وجهوا إهانة لتركيا بعيداً عن أي تداعيات أو تجليات أخرى للأزمة، ومن هنا أصبحت تركيا بين ليلة وضحاها من أشد المنتقدين لإسرائيل فالبرلمان التركي دعا حكومته لإعادة النظر في التعاون العسكري مع إسرائيل، بل وقامت بإلغاء مناوراتها العسكرية المشتركة واستدعت سفيرها، كما بثت وسائل الإعلام صوراً ومشاهد لا تتوقف للهجوم الإسرائيلي والجرحى الأتراك.

ولاحظت وسائل الإعلام الدولية أن السياسيين الأتراك لم يساعدوا على تهدئة الموقف، والدليل على ذلك تصريحات وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، الذي قال فيها «من حيث الأثر النفسي هذا الهجوم بالنسبة لتركيا يشبه هجمات الحادي عشر من سبتمبر ونحن نتوقع التضامن الكامل معنا». وأضاف «ليس هناك مجال للخيار بين تركيا وإسرائيل بل هو بين الحق والباطل وبين القانوني وغير القانوني».

كذلك فإن تركيا طرحت فك الحصار عن غزة كشرط لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بما يؤكد أنها انخرطت في الصراع العربي الاسرائيلي، وأصبحت في قلبه بعدما كانت تتحرك من خارجه بهدف تهدئة الأوضاع بين الأطراف المتنازعة.

ومن الممكن في حال لم يتصرف الجانب الاسرائيلي بحكمة أن ينمو تحالف بين تركيا وبعض الدول العربية المعتدلة من أجل الضغط على اسرئيل في المحافل الدولية، وفي بعض الدول الغربية، ذلك أن الموقف التركي الذي برز في أحداث قافلة الحرية جعلها تقترب من معسكر الممانعة العربية.

ولكن هناك في هذا المعسكر من يتعامل معه الغرب على أنه دول مارقة، وهو ما يجعل استجابة الغرب لمطالبها أو رؤيتها أمراً مستبعداً، ولكن الثقل التركي في هذا الأمر يمكن أن يخلق تفاهماً بين الجانبين، وهو ما يزيد من ثقل المواقف العربية المتوافقة مع المواقف التركية ويحرج إسرائيل ويزيد من عزلتها الدولية.

لقد أصبحت تركيا طرفاً في الصراع العربي الاسرائيلي، وهذا الأمر يمكن التعامل معه باعتبار أنه كان هدفاً إسرائيلياً، حيث أرادت إسرائيل أن تحرق تركيا لدى الغرب حتى لا يتحقق الحلم التركي الخاص بالاتحاد الاوروبي، فتحقيق هذا الهدف كان سيعد خصماً من الدور الإسرائيلي، خاصة أن إسرائيل تسوق نفسها لدى الغرب باعتبارها وكيل الغرب في منطقة أصولية ومتخلفة، وما حدث مؤخراً يمكن أن يساعد إسرائيل على تحقيق هذا الهدف، لأن انخراط تركيا في الصراع العربي الاسرائيلي، سيعني أنها أصبحت طرفاً في مشكلات المنطقة بما يصعب عليها إمكانية القيام بالدور الذي تريد أن تقوم به، لأن أحد شروطه الضرورية هو الحياد.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com