»موقف أميركا من مهاجمة أسطول الحرية والذي يعد جريمة دولية ومجزرة متعمدة موقف يرثى له.. ماذا تعني بقولك إنك تأسف لشيء كان من الواجب إدانته بشدة وصرامة أكثر؟ وأي علاقة متينة لنا مع دولة تتعمد قتل الناس وتحاصر أي نجدة لهم وتحاصرهم.. الأسف لن يعيد الحياة لمن قتلوا».

هكذا تحدثت هيلين توماس عميدة صحافيي البيت الأبيض معنفة روبرت جيبس الناطق الرئاسي الأميركي يوم 1 يونيو الجاري.. ساعتها لم يجد جيبس مهربا سوى القول )لا شيء بمقدوره أن يعيد الضحايا ثانية(.

هيلين كانت تمثل ضميرا حيا للبيت الأبيض، لم تخش يوما السباحة ضد التيار.. وظلت تجاهر برأيها وتجبر كل رئيس أميركي على سماعها منذ عهد كيندي وانتهاء بأوباما، ولم تحتل المقعد الأول بين الصحافيين الرئاسيين وتحصل على امتياز طرح السؤال الأول من فراغ، فقد حصلت هيلين المولودة في أميركا عام 1920 لأبوين لبنانيين على أكثر من 30 جائزة صحافية، وشهادات جامعية فخرية، بينها دكتوراه فخرية من جامعة وين ستيت.

كما صنفت من السيدات ال25 الأكثر تأثيراً في العالم، وظل كل طموحاتها كما قالت يوما أن تذكر كشخص طرح الأسئلة المهمة وبحث عن الحقيقة.

وفي سبيل الحقيقة والعدالة لم تساوم هيلين أبدا على شيء، وظلت حتى يومها الأخير ترتدي بذلتها السوداء وتطلي أظافرها بالأحمر، وتلبس خواتمها وأساور ثم تجلس بصفاء، مستعدة لطرح أسئلتها حتى لقبوها بـ «بوذا الجالس».

لم تتردد يوما أن تصف أوباما بأنه ضمير حي يفتقد إلى الشجاعة، وقبله بوش بأنه أسوأ رئيس في تاريخ أميركا، لذلك قاطعها الأخير ثلاث سنوات، وفي أول يوم عادت المياه إلى مجاريها بين الاثنين في مارس 2006، طلب منها أن تطرح سؤالها، فبادرته بالقول «ستندم على هذا الأمر» فأجاب «حسنا دعيني اسحبه» لكنها لم تمهله وتابعت القول «لماذا فعلاً قمنا بغزو العراق؟ كل سبب علني حول هذه الحرب تبين انه ليس صحيحاً.. ألم تكن تريد غزو العراق منذ اللحظة التي دخلت فيها إلى البيت الأبيض»؟

ظلت هواجسها بلا إجابة حول غزو العراق وأفغانستان، وحول السياسة الأميركية إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، ولذلك انفتحت عليها أبواب جهنم من اليمين الأميركي المتغطرس والذي لا يحتمل مجرد خلاف في الرأي ومن اللوبيات القوية المساندة لإسرائيل.

ولم تكن هناك طريقة لمحاولة إسكات صوتها إلا شن حملات كراهية ضدها، فقد اتهمت بأنها غير وطنية وكارهة لأميركا، وطالب البعض بإلقائها على وجهها خارج الولايات المتحدة، ومقاطعة الصحف التي تكتب فيها، وإلغاء تصريحها الصحافي الذي يتيح لها الاستمرار في البيت الأبيض.

مع ذلك لم تتوقف وظلت على رأيها بأن سياسة واشنطن منذ هجمات سبتمبر أفقدت أمريكا احترامها وهيبتها في العالم، وبددت الصورة الديمقراطية التي ظلت رمزا لها.

ذات يوم قال الناطق السابق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان إن أمريكا موجودة في أفغانستان والعراق بناء على دعوة من حكومة البلدين، فواجهته قائلة: ألا تريد أن تصحح هذا التشويه البشع للتاريخ الأمريكي؟ رد وهو مندهش : لا.. نحن مدعوون.هذا ما هو حاصل، فعقبت قائلة :هذا من وجهة نظرك فمصداقيتك ملطخة.

كيف يمكنك أن تقول هذا؟ هل تعني أن حكومتي البلدين لو كانا طلبا منا الرحيل.. كنا رحلنا؟ ولم يجد ماكيليلان الذي تصبب عرقا من حل سوى أن يبتسم ابتسامة باهته وينظر في اتجاه آخر مشيرا باتجاه صحافي ثان طالبا منه طرح سؤاله.

ولم تسلم سياسة أوباما الشرق أوسطية من صراحتها رغم تغير الخطاب من خطاب يفرض الشروط إلى آخر معسول في عهده، فظلت تصف هذه السياسة بأنها فظيعة، وتضيف ملمحة إلى المسئولين الأميركيين «إنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. كان مفترض منهم أولا تجميد الاستيطان.. والآن يساومون مع إسرائيل قليلاً هنا وقليلا هناك، يجمدون الاستيطان لعام فيما يسمحون ببناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية، يطردون العرب خارج بيوتهم لقرن من الزمن. هذا خطأ، سيكون دائماً خطأ».

magdishendi@hotmail.com