كانت الإمبراطورية العثمانية اللاعب الأساسي في منطقة الشرق الأوسط، دون منازع، على مدى أربعة قرون من الزمن استمرت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى مطلع القرن العشرين، حين انتقلت مفاتيح القوة في هذه المنطقة إلى الدولتين المنتصرتين في الحرب، بريطانيا وفرنسا، اللتين أعادتا رسم خرائطها ووضعتا معادلات التوازنات بين دولها.

وذلك لأن تركيا الحديثة، وريثة الإمبراطورية العثمانية، بقيادة أتاتورك، أدارت ظهرها للمنطقة وتوجهت نحو أوروبا الغربية. وقد احتفظت هاتان الدولتان بدورهما المهيمن في المنطقة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

حيث بان عليهما الوهن والضعف أمام صعود قوتين عالميتين جديدتين أصبح لهما الدور الهام والأساسي في إعادة رسم معادلات التوازنات، ليس فقط في الشرق الأوسط، على الرغم من بعدهما جغرافياً عنه، بل على المستوى العالمي، وهاتان القوتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

وقد شهدت الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، تمرد عدد من الدول على معادلات التوازنات التي تميل بشدة نحو الغرب، فتمردت مصر أولاً ثم تبعها العراق واليمن وسوريا وليبيا والجزائر، بدعم كبير من الاتحاد السوفييتي، وأصبحت القضية الفلسطينية هي المحرك الرئيسي لسياسات الدول المتمردة.

وكان الرد الغربي على تلك التمردات جزءاً من استراتيجية الحرب الباردة، من خلال الرهان على الأنظمة المحافظة الحليفة، والعمل على وضع إسرائيل في موقع منيع عسكرياً وإقتصادياً وسياسياً، إلى الحد الذي تنازل فيه الغرب عن أبرز قيمه التي دأب على المناداة والتبشير بها، وهو لا يحرك ساكناً أمام سلب إسرائيل لكل حقوق الفلسطينيين وضربها عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة التي تعيد للشعب الفلسطيني بعض حقوقه.

اعتادت إسرائيل على التعامل مع الدول العربية بعجرفة وترفع وصل حد الصلف، وذلك بسبب ضعف موقف هذه الدول من جهة، وبسبب انحياز الولايات المتحدة الكلي إلى جانبها من جهة أخرى.

وكان آخر ما قامت به في هذا الصدد، هو تدمير لبنان في حربها الأخيرة ضد حزب الله، ثم تدمير غزة وفرض الحصار عليها منذ ثلاث سنوات، أمام شلل تام للعالم العربي الذي وقف متفرجاً عاجزاً عن عمل شيء، غير التصريحات التي ضاعفت من مشاعر الإحباط للإنسان العربي.

والإسراع في تقديم المزيد من التنازلات في صالات التفاوض الذي ترعاه الولايات المتحدة بانحياز تام لصالح إسرائيل، تاركة ساحة خالية لإيران كي تأخذ زمام المبادرة في صراع كسبت به تعاطف الشارع العربي المحبط، دون أن تخوض صراعاً حقيقياً مباشراً مع إسرائيل. فقد تحول الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إلى صراع فلسطيني ـ إسرائيلي، ثم إلى صراع إيراني ـ إسرائيلي أخيراً.

إلا أننا قد بدأنا نشهد تحولاً ملفتاً للنظر في معادلات التوازنات، فقد دخلت تركيا المنطقة من جديد بعد قطيعة استمرت ما يقرب من قرن كامل، كلاعب فعال يعمل على توفير أجواء الاستقرار وحل المشكلات.

فالجهود التي تبذلها في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، وفي المفاوضات بين كابول وإسلام أباد، وسعيها لحل أزمة الملف النووي الإيراني دون الحاجة إلى الإمعان في السير في طريق تأزيم المشكلة ورفع سقف العقوبات، قد أكسبها قدراً كبيراً من الاحترام، وهي على أية حال تلقى ترحيباً من قبل معظم الدول العربية، على العكس من الدور الإيراني الذي يقابل بتوجس وقلق.

كما أن تركيا عملت بذكاء على جعل علاقاتها حسنة ومبنية على تبادل المصالح الاقتصادية مع جميع دول جوارها، وجعلت حواراتها الدبلوماسية مع هذه الدول على مستويات عليا، ورفعت الكثير من القيود على السفر بينها وبين معظم الدول المجاورة لها. كما أنها أسهمت في تخفيف حدة الصراع التاريخي مع اليونان ومع جاراتها الشمالية في القوقاز.

قد يرى ساسة الغرب، وعلى رأسهم قادة الولايات المتحدة، أن تركيا تسعى إلى خلق المشكلات في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من أن مقارباتها لمشاكل المنطقة تأتي بأطر دبلوماسية بعيدة عن أجواء التهديدات.

فموقفها المتعاطف مع إيران الذي صيغ بالتعاون مع البرازيل في صفقة تبادل اليورانيوم، لم يرض الغرب، كما أن نجاحها في تعرية إسرائيل ووضعها في ركن معزول أمام الرأي العام العالمي مؤخراً.

حين هاجمت أسطول الحرية الذي تولت تركيا مسؤولية تسييره، والذي حمل المساعدات الإنسانية إلى غزة، قد أحرج الولايات المتحدة أيضاً وأضعف من ثقتها واطمئنانها على بقاء ثوابتها في المنطقة على حالها، فهناك بوادر لتحول تركيا من حليف لإسرائيل إلى خصم لها.

وتبدو الولايات المتحدة اليوم أكثر قلقاً على مصالحها في المنطقة من ذي قبل. ومع أن حكومة نتانياهو تضع العصي في العجلات وتعرقل مشاريع الإدارة الأميركية، إذ بدل الحصول على تقدم نحو إنشاء الدولة الفلسطينية، تحولت المفاوضات ببن السلطة الفلسطينية وإسرائيل من مفاوضات مباشرة إلى مفاوضات غير مباشرة عبر الوسيط ميتشل، وهي خطوة نحو الوراء..

إلا أن هذا الإحراج لإدارة الرئيس الأميركي أوباما، لن يضر كثيراً الولايات المتحدة في ظل تراجع الدور العربي، غير أن مواقف تركيا الجديدة قد أصبحت تقلق الإدارة الأميركية، وقد تصبح أكثر مدعاة للقلق إذا توصلت هذه الإدارة إلى القناعة بأن المواقف التركية الأخيرة هي جزء من استراتيجية جديدة لتوسيع الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط.

حصار غزة سينتهي عاجلاً أم آجلاً، وسوف تعمل الولايات المتحدة والدول الأوروبية على التقليل من أهمية الوسام الذي حصلت عليه تركيا، وذلك بسحب المبادرة منها والعمل على التخفيف من الحصار. فقد بدأت فرنسا وبريطانيا بوضع آلية يقوم في ضوئها الاتحاد الأوروبي بدور الرقيب على ما يدخل غزة من مساعدات إنسانية، بالتنسيق مع مصر دون المرور أمام الرقيب الإسرائيلي.

تركيا عضو في مجموعة العشرين وتمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الأطلسي، وهي الدولة الأكثر قوة في المنطقة والأكثر ارتباطاً بتاريخها وتعقيداتها، وأحد أهم المعابر بين قارتي آسيا وأوروبا، وعودتها إلى شؤون المنطقة وقضاياها ستغير الكثير من الثوابت والقناعات التي صنعتها إرادات التسلط وإدارات الخنوع.

النجاحات التي حققتها إدارة رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان، قد عززت إلى حد كبير مكانة تركيا عالمياً، وعززت مكانة حزب العدالة والتنمية محلياً، إلى درجة يصعب معها الرهان على أن هذه السياسة ستتغير برحيل هذا الحزب عن السلطة في انتخابات مقبلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae