يعطي بعضنا أحياناً لنفسه حجمًا أكبر من حجمه الحقيقي.. أي الحجم الذي يدركه هو في قرارة نفسه، ولكنه يتظاهر بغيره أمام الآخرين. وليست هذه هي المشكلة، بل المشكلة أنه قد ينسى هو بنفسه الحقيقة التي يعرفها، أو كان يعرفها، ويصدق «الكذبة» التي أطلقها هو أولا، أو أطلقها غيره فاستحسنها وجاراها، على الرغم من إدراكه الكامل لعدم مطابقتها لحقيقته.
الناس في مثل هذه الحالة نوعان؛ نوع يحاول أن يطور نفسه كي يكون أفضل، وكي يكون منسجمًا مع الانطباع الذي يحاول أن يقدمه عن نفسه للآخرين، أو الذي مُنِح له بشكل ما دون أن يتوافق معه بالضرورة، لذلك يحاول جاهدًا أن يقترب من هذه الصورة التي أصبح يمثلها أمام الآخرين، مقلصًا بذلك الفجوة بين الصورة الخارجية والواقع الداخلي.
ومثل هؤلاء يستحقون الاحترام والتقدير، لأنهم لا يريدون أن يبقوا كما هم في حين أن الفرصة متاحة لهم ليكونوا أفضل، كما أنهم لا يتقبلون خداع الآخرين إما بقصد أو دون قصد.
أما النوع الآخر فهو ذلك النوع من الناس الذي يجد نفسه في حجم أكبر من حجمه الحقيقي فجأة، وهو يدرك في قرارة نفسه أن الصورة الخارجية التي يظهر بها أمام الآخرين ليست صورته، بل صورة متخيلة عنه، أو مزعومة ربما..
فلا يقوم ـ كما يقوم النوع الأول ـ بتطوير نفسه، ومحاولة جعلها أفضل، إنما يقوم بمجاراة الوضع، والركون إلى غفلة الآخرين، بل والمساهمة في الترويج لهذه الصورة المضللة عن نفسه، دون أن يسعى لتطوير نفسه، فما الذي يدفعه لذلك إن كان أقصى ما يريده، وربما أكثر من ذلك، قد تحقق له دون بذل أي مجهود يُذكر!
هذا ما يحدث في واقعنا تماما، ففي هذا الزمان أصبحت الألقاب ـ على سبيل المثال ـ أسهل ما يمكن أن يحصل عليه شخص، كل واحد منا له لقب في مجاله وفي مجالات أخرى لا تمت لمجاله الأصلي بصلة أحياناً، لكنه ربما تكلم مرة ـ معبرًا عن رأيه كشخص عادي، وليس كمتخصص في المجال الذي يتحدث عنه ـ فيجد من يصنفه مباشرة بوصفه خبيرًا في شؤون كذا.. أو باحثًا متخصصًا في هذا الموضوع أو ذاك.. وغيرها من الألقاب التي أصبحت لا تُباع ولا تُشترى، بل تُوزَّع بالمجان، وبالجملة كذلك!
على المستوى الشخصي، وجدت نفسي خبيرة في الاقتصاد، بسبب مقالة كتبتها عن الديون والقروض البنكية وأثرها السلبي في المجتمع وفي فئة الشباب خاصة، كما وجدت نفسي باحثة في الاجتماع، وفي مجالات أخرى أيضًا، ربما بسبب جملة المقالات التي أكتبها في هذه الصفحة.
كما أخبرتني إحدى صديقاتي أنها وجدت نفسها معرَّفة في أحد المحافل العلمية بأنها خبيرة في أدب الأطفال، بعد أن أصدرت مجموعتها القصصية الأولى للأطفال!! هل يوجد أسهل من أن يكون أحدنا خبيرًا أو باحثًا أو أستاذًا أو متخصصًا أو غير ذلك، إن كان هذا لا يتطلب منه سوى كتابة مقال أو اثنين في أحد المواضيع ليصبح بعد ذلك حاملا لكل هذه الألقاب دفعة واحدة إن شاء؟!
في السابق.. هذا على مستوى الزمان، وفي دول أخرى.. على مستوى المكان، يفني الإنسان عمره كي يصل إلى مرتبة عالية يطمح إليها، كان المرء في عالمنا العربي ـ ولا يزال في دول أخرى خارج حدود العالم العربي ـ يسعى بيديه مع قدميه كي يصل إلى الرتبة التي يريدها.
وينال اللقب الذي يتمناه، فلا يناله إلا عن استحقاق وجدارة، وحين يصل إلى الغاية لا يقف حيث وصل، بل يبقى متابعًا طريقه حتى يتمكن من تطوير نفسه ليكون أفضل كل يوم عن اليوم السابق ولو بقدر بسيط، فهذا التراكم الصغير والبطيء هو الذي سيُحدث الفارق بعد سنوات أو عقود.
بقيت نقطة واحدة فقط، وهي أن بعض الأشخاص من النوع الثاني لا يكتفون بأن يجاروا الصورة المضللة، سواء تلك التي يقدمونها لأنفسهم ويصدقها الغافلون من المحيطين بهم أو التي تُقدَّم لهم من قِبَل الآخرين، ولا يقنعهم أن يتظاهروا بأنهم كذلك.
بل يتحول الأمر عندهم إلى قناعة ذاتية راسخة بأنهم كتلك الصورة الوهمية في الأساس، الصورة التي لا وجود لها في الواقع، لكنهم لفرط جهلهم بأنفسهم يصدقونها، ويطالبون الآخرين من غير الغافلين بتصديقها، ويرون ذلك فرض عين على كل شخص حولهم، ويستنكرون عدم قيام كل من حولهم بأداء طقوس التقدير والاحترام لهم.. وقد يطالبونهم بذلك في بعض حالات التمادي في الجهل بالذات.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com