كشفت أحداث اليونان عن مدى ضخامة حجم الأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها العالم، وأسكتت أحداث اليونان جميع المتفائلين الذين يخادعون الشعوب ويوهمونها بأن الأزمة تجاوزت مراحلها الصعبة، وأنها على وشك الانفراج.
فقد تبين بوضوح، بعد ما حدث في اليونان وما تشير إليه التداعيات في الفترة القادمة في دول أوروبية أخرى، أن الأزمة العالمية قادمة في أسوأ أشكالها، وأن مراحل الخطورة والانهيار الحقيقي فيها لم تأت بعد، لكنها قادمة لا محالة، إذا لم تتخذ إجراءات فوق العادة في الدول الصناعية الكبرى لتخفيف حدتها، وليس لمواجهتها، وهو ما يشك فيه الخبراء والمراقبون.
رغم صغر حجم اليونان واقتصادها، بالمقارنة بالدول الأوروبية الأخرى، إلا أنها كشفت عن أشياء غاية في الخطورة، يكفي أنها كبداية في أوروبا طرحت سؤال الصراع بين اليورو والدولار.
وبثت الشكوك لدى الأوروبيين في عملتهم الموحدة، وطرحت أسئلة مثل: أي العملتين أكثر استقرارا؛ اليورو أم الدولار؟ ماذا يمكن أن يحدث في الأسواق المالية في حال تعرض اليورو لهزات جديدة؟ هل سيصمد اليورو إذا تكررت أزمة اليونان في دول أخرى مثل البرتغال وإسبانيا وإيطاليا؟
خطر الإفلاس والانهيار المالي في اليونان، خلق عقدة كأداء ليس لهذه البلاد وحدها. الخبراء الدوليون يقولون إن «المأساة» اليونانية ستجعل دولاً كثيرة أخرى تبكي وتنتحب، عندما يثور إعصار تسونامي مالي في أوروبا كلها.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير حول آفاق الاقتصاد العالمي، إلى أن مشكلة اليونان تشكل خطرا على عملية خروج الاقتصاد العالمي من أزمته.
وفي كل أرجاء أوروبا الموحدة، تتخذ تدابير وإجراءات عاجلة وغير مسبوقة من حيث النطاق، لإنقاذ اليونان من الانهيار المالي، ولتأمين استقرار الأنظمة المالية الوطنية في الدول الأوروبية. قيادة الاتحاد الأوروبي تسعى إلى تأسيس صندوق لمكافحة الأزمة، يبلغ رأسماله 750 مليار يورو، أي حوالي تريليون دولار.
ويمكن أن يغدو هذا الصندوق الضخم أكبر نظام مالي في التاريخ العالمي، فيما توزع الأموال منه على الدول الأوروبية بشكل قروض، لتمويل برامج عمل محددة تهدف إلى استقرار ميزانية الدولة.
إلا أن الكثير من المحللين يعتبرون حتى هذا المشروع المالي الهائل، غير قادر على تأمين سلامة أداء الاقتصاد الأوروبي، ولا يزيل خطر انهيار اليورو كإحدى العملات الاحتياطية العالمية.
ولم تمض سوى عدة أيام على إطلاق بروكسل برنامج دعم اليونان وحماية سوق السندات الحكومية بهذا المبلغ الضخم.. حتى تبين أن طوق النجاة الذي ألقاه وزراء مالية المنطقة للعملة الأوروبية المتعثرة، كان باهظ الثمن ولم يحقق آمالهم.
ورغم أن الإعلان عن خطة هائلة وغير متوقعة، أحدث بعض النمو لأسهم الشركات الأوروبية وصعود العملة ب5 .1 على خلفية إقبال المستثمرين على شراء اليورو، إلا أن موجة التفاؤل لم تكن طويلة، حيث عادت العملة الأوروبية لتخسر من جديد ما تمكنت من تعويضه.
ويعزو الخبراء فشل المحاولات لدعم اليورو، إلى أن الدواء الأوروبي الهادف لوقف إفلاس اليونان وأمثالها، لن يمنع من انتشار عدوى الديون العامة المتراكمة على المنطقة، والتي هي سبب تفاقم أزمة العجز المتزايد في موازنات معظم دول أوروبا.
المشكلة في أوروبا ذات العملة الواحدة، هي أن أنظمة الدول الأعضاء فيها مختلفة ومتباينة بشكل كبير، فهناك دول غنية وأخرى فقيرة، ودول يخضع اقتصادها لرقابة وتدخل مباشر من الدولة، ودول أخرى تنعدم فيها أو تقل الرقابة والتدخل، وهناك دول كانت تعاني قبل الأزمة من مشاكل اقتصادية ومالية وجاءت الأزمة بالنسبة لها كالضربة القاضية، هذا بخلاف عوامل سياسية لا يمكن إنكارها، وتتمثل في معاملة متميزة للبعض بخلاف الآخر.
وربما يفسر هذا التمييز التأخر والتلكؤ الواضح من جانب الدول الأوروبية الكبيرة في معالجة الأوضاع في اليونان، حتى وصلت حد الانفجار وباتت تهدد الدول الأخرى، مما اضطر الكبار للتدخل، ولا نظن أنهم سيكررون الخطأ مع دولة أخرى مثل إسبانيا أو إيطاليا والبرتغال، وإلا ستكون النتائج كارثية.
أيا كان الأمر، فقد كشفت أزمة اليونان عن حقيقة هامة لم يعد يجدي إنكارها، وهي أن أسوأ مراحل الأزمة لم يأت بعد.
خبيرة روسية في شؤون الطاقة
jannamarat@km.ru