هدوء نسبي في الشوارع والأسواق والمراكز التجارية والأحياء السكنية والحارات والساحات، هدوء نسبي فوق الجسور وفي التقاطعات وفي كل مكان، فقط لأن اختبارات نهاية العام الدراسي تدفع بالطلبة والتلاميذ بالهدوء والجلوس إلى كتبهم وكراريسهم، قراءة واستذكاراً وحل وفك معادلات، معلومات تتقافز من بطون الكتب والمراجع، والجو عبارة عن طقس علمي ينز بالكنوز.

هدوء جميل وجيد تخف فيه مخاطر الحوادث، وتقل فيه معدلات الاستهلاك الذي لا حاجة فيه ولا له.. تتمنى لو أن الحال يبقى هادئا هكذا، ليس لأن طلبة وتلاميذ المدارس «محبوسون» في بيوتهم، ولكن لأننا بالفعل نأمل في هذا الهدوء حتى ولو كانت الشوارع مكتظة بالسيارات، وحتى ولو كان شباب المدارس ينتشرون في مراكز التسوق وفي الأحياء السكنية، لكن بهدوء وفي إطار السلوك الهادئ.

في هذا الوقت بالذات من كل عام تأتي موجة الهدوء، وكأن الناس تعيد ترتيب توازنها مع النشاط الحياتي اليومي.. الآباء والأمهات وأولياء الأمور، الأعمام والأخوال والخالات والعمات، الكبار من الإخوة مع الصغار من الإخوة كل يسعف الآخر، حتى اتصالات الزملاء التلاميذ ببعضهم البعض، عبر شاشات الدردشة على «النت».

وعبر الماسنجر وعبر تقنيات البلاك بيري، كلها اليوم تسير لتدعم الاستخدام التقني الصحيح لهذه الخدمات، فطالب يبعث لزميله الطالب بسؤال حول مادة او درس او معلومة علمية، والآخر يشرح له من على البعد، فقل تبادل التفاهات من الثقافة الاستهلاكية الرخيصة السائدة بين جيل الشباب، وكأن كل شيء يعاد صياغته من جديد.

الأسر تنظم مواعيد نومها وصحيانها، الآباء والأمهات أقرب إلى أبنائهم من أي وقت في العام، الهدوء في المنزل، ترتيب غرف المذاكرة، التقنين في الخروج والدخول وتقنين الفوضى اليومية.

سيقول البعض إني أتجنى على الطلبة والتلاميذ واني أقول إن حريتهم هي التي تسبب كل هذا الإزعاج في الشوارع وفي الحواري، وهذا مستحيل طبعا، ولا احد بإمكانه أن يوافق هذا الحكم الجائر، باعتبار أن الفوضى لا تأتي من هذا الجيل فقط، بل أيضا تأتي من جيلنا نحن الذين نسرع باتجاه مراتع الشيخوخة، لكن ما اعنيه ان الجميع يعيد ترتيب نشاطه اليومي نحو الهدوء والتركيز، حتى النقاشات التي تسبح في الفضاء، هي نقاشات جادة، فهذه الأيام يحضر الحديث بين الطلبة وأهليهم عن قيم النجاح والتفوق، عن المستقبل.

أحاديث فيها حكمة ومنطق وفيها استشراف للقادم.. خطوات الى الإمام، الكلية، الجامعة، التخصص الفلاني والعلاني، هذا أفضل أما هذا أفضل؟ أسئلة مثمرة وانشغالات جادة.

يخيم الطقس العلمي والفكر المنهجي على الجميع لأننا نتخلص من انشغالات زائدة واستهلاكية لا لزوم لها، لهذا تسير الأشرعة في مسارها الصحيح، ولهذا يبدو المناخ العام مناخاً هادئاً.

mhalyan@albayan.a