الإبداع هو حالة استثنائية ولحظات كاشفة تقذف في نفس صاحبها ليرى ويفسر ما يواجهه بنظرة مغايرة، لذا فمهما تعددت النظريات والرؤى المفسرة للإبداع والشارحة لمراحله وأسس تكوين ورعاية الفكر الإبداعي، يظل الإبداع في تقديري هبة يختص الله بها بعض عباده، تولد معه وتكون كامنة في داخله، قد يكتشفها البعض وقد لا تسعفه ظروفه لإزالة ما علاها من عوامل البيئة غير المواتية، سواء كانت البيئة الأولى وهي الأسرة، أو الأكبر وهي المجتمع، إلا أن ذلك لا ينفي وجودها..

وكما يقول الله في محكم التنزيل ؟يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا؟.. كذلك القدرات الإبداعية هي منة من الله، تكتب مع الرزق والأجل والشقاء والسعادة، وهي شكل من البصيرة التي تجعل صاحبها يرى بمنظار لا يرى به الآخرون، وتجعله قادرا على إدراك الروابط الخفية بين الأشياء.

نعم، قد يستطيع كل منا أن يكتسب عن طريق التعلم بعض المهارات التي تعينه في تقديره لما يواجهه من مسائل حياتية بمختلف جوانبها، إلا أن القدرات الإبداعية لا تتوافر إلا لدى قلة قليلة من البشر، وأولئك هم ذخر أمتهم وعزها ومصدر فخرها، وهم الرصيد الباقي لها حتى وإن تبدلت أحوالها، لأن ما يملكونه غير قابل للنضوب، بل هو المتجدد الذي لا ينفد.

والتاريخ يقص علينا أن الأمم العظيمة ظلت كذلك ما دامت تقدر الإبداع وأصحابه، بل كيف أن الراشدين من الحكام والولاة كانوا يزنون مداد المبدعين بميزان الذهب، وأن إرهاصات التراجع تبدو ملامحها عندما يطفو على السطح الزبد والغثاء ويخبو صوت كل مبدع ومجدد، والأمثلة كثيرة في تاريخنا التليد، والأندلس السليبة خير شاهد.

ومن فضل الله علينا أن قيض لدولتنا الرشيدة قيادة راشدة تعي تاريخ أمتها، وتدرك التحديات التي تواجه حاضرها، وترنو بعين ثاقبة إلى مستقبلها.. قيادة لم تنس، في خضم بناء الوطن، قيمة الإنسان قلب الوطن النابض وبانيه.. قيادة أكدت أن الخليج ليس نفطا فقط، ولكنه حضارة تضرب جذورها في باطن الأرض، وفكر وثقافة وفنون ونظام حياة يعانق بشموخه عنان السماء.

من هنا جاء تنقيبها عن الإنسان المبدع قبل تنقيبها عن النفط، لإيمانها الشديد بأن الإبداع هو الضمانة الحقيقية لتقدم الأمم، وأن المبدع قيمة كبرى، وأكدت ذلك واقعا عمليا عند تكريم الحاصلين على جائزة الدولة التقديرية، بقولها إن المكرمين من المبدعين هم كوكبة مضيئة في سماء الوطن.

وأنهم علامة مضيئة في مسيرة بلادنا الغنية بالكوادر المبدعة، وأن دولة الإمارات سترعى بكل اهتمام وتقدير المبدعين من أبنائها، وتوفر لهم الإمكانات التي تسهم في صقل تجاربهم ووضعها أمام الأجيال المقبلة، لتكون حافزا لهم على الانطلاق لدعم مسيرة العطاء والإسهام في نهضة البلاد وتقدمها.

إن هناك حالة صحية لتكريس ثقافة التميز والإبداع في مختلف الميادين في الدولة وبكافة مستوياتها، بدءا من التميز الوظيفي حتى الإبداع الفكري والفني الذي هو مظهر من مظاهر خصوبة الفكر وسيولته ومعين لا ينضب من كل ما هو جديد وثري. ولا شك أن هذا من شأنه استنهاض الهمم وإشاعة مناخ من الاستنفار والعصف الذهني، لا يقبل بالاختيار من بين البدائل المتاحة، ولكن يخلق فكرا جديدا يأتي بأفكار مبتكرة وخلاقة.

ولقد حرصت قيادتنا الرشيدة على توفير بيئة محفزة، تيسر على كل مبدع أن يخرج إبداعاته. فلا شك أن توفير الجو الاجتماعي والثقافي المناسب والثقة والشعور بالأمان، لهو من أبجديات ظهور الفكر الإبداعي.

ولم تنكفئ الإمارات على ذاتها في رعاية المبدعين وتقديرهم، ولكن كعادتها دائما كانت قبلة كل مبدع في الفن والموسيقي والأدب والفكر، وباتت فعاليتها الثقافية محط أنظار المبدعين، ليس على مستوى الوطن العربي فحسب، بل على مستوى العالم..

وما ترصده من جوائز أصبح بمثابة ترمومتر حقيقي لكل عمل مبدع، لصرامة إجراءاتها وشفافيتها.. كما أن كلاسيكيات الدراما العربية من المسلسلات ما زالت تحمل على صدرها اسم «استوديوهات عجمان»، ولا يخفى على أحد ما تقوم به دبي من دعم للفنون العربية بكافة أشكالها.

واحتضانها لمدينة الإبداع الإعلامي بكافة ألوانه، والتي تتوج مؤسساتها كل عام بمنتدى الإعلام العربي، ملتقى الإعلاميين الذين قل أن يجتمعوا بهذا الزخم إلا في دبي، ما جعله محط أنظار العالم ونموذجا بات تحتذي به الكثير من الدول.

لقد بدأت كلماتي بأن الإبداع هو استثناء وأنه في جانبه الأكبر هبة من الله، ولا زالت تلك قناعتي، إلا أن الجوانب الإبداعية لا تكتمل إلا بجانبين؛ أولهما هو بذل الجهد الذي لا يعرف الكلل ولا الملل، فالإبداع وان كان درة مكنونة في النفس والعقل، إلا أن قيمته وفائدته مرهونة بالجهد الذي يمثل الجانب الأكبر منه.

وثانيها، أن الإبداع وإن كان لا يثمر إلا في مناخ حر، فإنه مع ذلك يرتبط في جوانبه بالأصالة، فالفكرة والعمل الإبداعي الناجح لا يتم بمعزل عن المجتمع، بل لا بد لنجاح الفكرة الإبداعية أن يقبلها المجتمع، لذا فالإبداع في أرقى مراحله هو التزام، لا انفلات.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com