على هامش مؤتمر المدونين العرب، الذي يقام بالشراكة بين الهيئة العامة للمعلومات ودائرة الثقافة والإعلام في عجمان، تطفو على السطح مجموعة من الأسئلة المتجددة حول قضايا مثل: التدوين واللغة؛ التدوين والثقافة، إشكالية التدوين والصحافة التقليدية والأسئلة المتفرعة عن ذلك، وأخيراً علاقة المدونين بالمؤسسة الرسمية.

بداية أستطيع التأكد مسبقاً، وقبل الاطلاع على أوراق العمل العديدة المقدمة في المؤتمر، من أن معظم المتحدثين سيتعرضون في كلماتهم للأرقام المتعلقة بأعداد المدونين والمدونات، ونسبة انتشارهم وتزايدهم على مستوى العالم، كما في منطقتنا العربية. ومن المرجح أيضاً أن المتحدثين سيطرحون أرقاماً متباينة، تعكس «البلبلة» الحاصلة بالفعل في المواقع المتخصصة في إحصاءات الشبكة.

ففي مقابل هذا الحرص من الجميع على التشبث بالأرقام، لا توجد جهة واحدة معتمدة ومتفق عليها كمصدر موثوق لتقديم الأرقام والإحصائيات عن التدوين والمدونين. وهذا لا يقلل بطبيعة الحال من أهمية ما تقوم به بعض الجهات مثل «تكنوراتي.كوم» التي تصدر تقريراً سنوياً في هذا الشأن.

والسؤال البديهي هنا: ماذا يكمن وراء الإصرار على طرح الأرقام؟ صحيح أن من يتحدثون عن عصر الإنترنت عموماً يفضلون التطرّق لأعداد المواقع الإلكترونية أو الصفحات أو ما شابه ذلك، لتدعيم فرضياتهم واستنتاجاتهم.

غير أن الأمر مختلف بالنسبة للتدوين، إذ يستطيع المرء استخلاص نزعة خفية من الدفاع عن أمرين في ما يتعلق بالتدوين: الأمر الأول يتمثل في شرعية التدوين، والثاني يتعلق بحتميته! كيف ذلك؟

في مسألة الشرعية، بعد مرور أكثر من عقد من الزمن على نشوء ظاهرة التدوين الإلكتروني، وبعد كل هذا الحضور الطاغي والانتشار الكثيف للمدونات والمدونين، ما زالت شرعية التدوين تحتل موقعاً مركزياً في السجالات القائمة في أوساط الإعلاميين مثلاً.

وبينما تتعالى أصوات إعلامية «تقليدية» بأن التدوين لم يصل بعد إلى مرحلة النضج كي يحظى بلقب السلطة الخامسة أو حتى العاشرة، نجد ردوداً في الاتجاه المعاكس بأن المعايير اختلفت، وأن الحكم على الصحافة اليوم يجب أن ينطلق من مسطرة عصر الإنترنت، حيث مفاهيم المشاركة والسرعة والسهولة والحرية الإعلامية. وما هذا إلا غيض من فيض الجدل الدائر على أشده.

كما أننا نسمع في السنوات الأخيرة الكثير من الأخذ والرد حول العلاقة المتقلبة بين السلطة الأولى (الحكومة) والخامسة (المدونون)، وهذا التقلّب أرخى هو الآخر بظلاله على مسألة الاعتراف بالتدوين كمنبر مأمون وموثوق للتواصل والتفاعل، ناهيك عن كونه سلطة حقيقية تنادد في حضورها السلطة الرابعة، وهي الصحافة التقليدية.

أما في ما يتعلق بحتمية التدوين، فكثيراً ما يتم اللجوء إلى إحصائيات تبيّن الزيادة المطردة في أعداد المدونات، في مقابل التناقص الملحوظ في أعداد الصحف. وقد اطلعت قبل أيام على مقالة لكاتب عربيّ أشار إلى أنه بينما تولد في كل يوم عشرات المدونات العربية الجديدة، نقف لتلقي العزاء في صحيفتين ورقيتين هما «الوقت» البحرينية و«أوان» الكويتية.

ومن البديهي أن ينبثق من هذا الأخذ والرد جدال داخلي في أوساط الحكومة: هل على المؤسسات الرسمية أن تدخل عالم التدوين أم تنأى بنفسها عن مخاطره ومحاذيره؟ ما هي مخاطر المشاركة؟ وما هو ثمن الانكفاء؟ وكيف تمكن الموازنة بين الخيارين؟ وأسئلة أخرى عديدة.

كثيرة في الواقع هي محاور الجدل والخلاف في هذا الموضوع، وأكاد أجزم أن الأكثر أهمية من الاختلاف نفسه هو كيفية التعاطي مع ذلك الاختلاف. فمناقشة الأمور بهدوء وبمنهج علمي، وبعيداً عن التشنج والتشبث بالفرضيات المسبقة والتعميمات المشكوك في أساساتها، من شأنه أن يوصلنا إلى مستوى أفضل من الفهم.

مؤتمر المدونين العرب سيطرح الكثير من الإشكاليات، وسيتضمن الكثير من المحاور والجلسات، وانطلاقاً من موقعي في العمل الحكومي وتاريخي الطويل نسبياً في هذا العمل، أعتقد بوجود أهمية استثنائية للجلسة التي ستناقش موضوعة التدوين والمؤسسة الرسمية. من المهم الاستماع إلى مختلف الآراء والاطلاع على مختلف التجارب.

سنجد بالتأكيد من يرفعون رايات التحذير انطلاقاً من بعض التجارب غير السارة هنا وهناك، وسنجد من يدفعون في اتجاه أن تؤكد المؤسسة الرسمية حضورها في أوساط المدونين، وأن تنشئ لنفسها منبراً مماثلاً يتلقى الآراء والتعليقات والاقتراحات، وربما الانتقادات أيضاً.

لا أزعم أنني حسمت أمري في اختيار أي من الاتجاهين. كل ما أريده هو أن نُشبع موضوع التدوين الإلكتروني نقاشاً، آخذين بعين الاعتبار التجربة المبكرة والفذة التي خاضها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتتمثل في إنشاء موقعه على Twitter، بالإضافة إلى تجارب عربية أخرى مشابهة.

مدير عام الهيئة العامة للمعلومات

salem.alshair@gia.gov.ae