العودة إلى موضوع تصدير قضايا الأمة العربية والإسلامية إلى دول العالم وبلغاتها المختلفة، لا تزال مطلبا مهما غير متواز مع عمق هذه القضايا واستقرارها التاريخي. وإذ نجد أن دولا أوروبية قد سبقتنا في عملية تقريب المسافات عبر فتح الآفاق الإعلامية، وتوظيف الإمكانات الثقافية والسياسية والاجتماعية للانفتاح على الدول العربية، بإطلاق عدة قنوات فضائية تخاطب المشاهد العربي وتضعه في قلب الحدث هناك، ناهيك عن استثمارها لطرح أفكارهم وقضاياهم، والأهم من دون واسطة أو ترجمة.
في حين نرى أن العالم العربي بمدنه الإعلامية المترامية، لا يزال عاجزا عن استجماع همته لاختراق فضاءاتهم واستغلال انفتاحهم على الآخر، خاصة وأن هناك الكثير من الكلام الذي من الممكن أن يقال في موضوعات شرق أوسطية تظل شائكة ومعقدة، إلى جانب القضايا الدينية التي تصدرت في فترة ما العناوين وأصبحت تحرك جموع المتظاهرين عبر القارات.
ولعل استمالة المشاهد الأوروبي من خلال الطرح الموضوعي لتلك القضايا، سيجد الآذان الصاغية، وربما نستثني من هذا الفراغ الإعلامي العربي الدور الفعال التي تلعبه قناة الجزيرة الانجليزية في هذا الاتجاه، ولكن الفضاء يتسع لأكثر من «جزيرة» واحدة تقف وحيدة في وجه التقلبات والعواصف الإخبارية.
إن اللغة التي يفهمها العالم هي لغة الإعلام التي قد تنقلب بين ليلة وضحاها من مؤيد لطرف ما إلى مناهض، ولمسنا هذا من خلال حملة ناشطي حقوق الإنسان في مختلف دول العالم، الذين استطاعوا أن يكسبوا قضيتهم في اختراق حصار غزه غير الإنساني، وأصبحوا محط أنظار العالم أجمع.
وكانت «ضربة معلم» بالفعل، لأن الضحايا المسالمين الذين دفعوا أرواحهم في سبيل قضية إنسانية لا تعترف بالانتماءات السياسية أو الدينية، قد برهنوا على إرهاب الدولة الصهيونية، وأعادوا بذلك صياغة نظرة العالم إلى الكيان الإسرائيلي.
وكأن التغييب المتعمد للقضية الفلسطينية الذي لعبته وسائل الإعلام الغربية طوال السنوات، لم يصمد أمام ما تم كشفه من واقع سيئ تعيشه الأراضي المحتلة، وربما قد أحدث لوثة في تلك العقليات التي تؤمن بأن إسرائيل دولة سلام كما يروج لها.
فمن المتعارف عليه أن اليهود قد كسبوا قضيتهم منذ زمن، من خلال إحكام السيطرة على وسائل الإعلام في العالم الغربي، وخاصة في الولايات المتحدة.
ولعل أهم وأنجح إمبراطوريات الصحف على مستوى العالم يملكها يهود متصهينون، وربما أغلبنا على الأقل قد سمع باسم «روبرت مردوخ» الذي يسيطر على الإعلام في كل من أستراليا وأمريكا وأوروبا، وتعتبر مجموعته الإعلامية واحدة من 3 مؤسسات تحرص جمعية الصداقة الأمريكية الإسرائيلية على شكرها لدعمها الدولة العبرية إعلاميا واستثماريا.
كما سعى مردوخ إلى شراء صحيفة «تركيا» ووكالة «إخلاص» للأنباء، اللتين يملكهما رجل الأعمال التركي أنور أوران، في مسعى يهدف إلى التصدي للشعور المعادي لإسرائيل وأمريكا وكسب تركيا من جديد، بعد تراجع صورة الحليفين في الشارع التركي، كما يصنف على أنه محاولة للدخول إلى العقل الشرقي.
وفي مقابل ذلك، نرى أن أصحاب الأموال المحسوبين على العرب والمسلمين، يتنافسون في شراء المراكز التجارية والأندية الرياضية، ثم يبدأون في النواح على المصير الذي آلت إليه الشعوب الإسلامية.
وواقعيا لا تنحصر معركة الأمة العربية والإسلامية إعلاميا في قضية فلسطين فقط، فالقضايا تتجدد بتفكك خارطة الوطن العربي والإسلامي من خلال تلك السياسات التي أوقعته في نفق مظلم، فمصطلح «الحرب على الإرهاب» الذي تبنته أمريكا وحلفاؤها، كان له التأثير العميق بحيث وضع العالم العربي والإسلامي تحت المجهر.
وإذا كانت الشعوب قد تحررت واقعيا، فإن حروب الإرهاب قد أعادت إدخال الاستعمار من أوسع أبوابه، وبصيغ أخرى تتناسب مع الشكل الجديد لهذه الحروب، مما يستلزم مواجهة تكون على مستوى ردة الفعل.
ولكن ما حدث، للأسف، هو أن أصبحت المؤسسات الإعلامية الرسمية مجرد تابعة ومحاطة بسلسلة من المحظورات التي تخدم قضية الولايات المتحدة في حربها الجديدة، وأصبحت هذه الدول تدفع ثمنا غاليا، دون أن يعود عليها بمكاسب ولو كانت بعيدة المدى.
إن السيطرة الإعلامية التي نراها اليوم من قبل بعض المتنفذين في العالم العربي، تكرس جهودهم وإمكاناتهم الجبارة لخدمة بعض المطربين والمطربات، وتسليط الضوء على أحدث كليباتهم، وأعياد ميلادهم، وزواجاتهم وطلاقهم، وتتنافس في إنتاج حفلاتهم وتقفيز الجماهير على ألحانهم..
والمقارنة تظل مجحفة مع تلك الفضائيات الغربية التي بدأت تخترق سماءنا وبلغتنا العربية الجميلة، التي تقدم فنون بلدانهم الراقية، وثقافاتهم، وندواتهم النقاشية في موضوعات مختلفة وبأسلوب ينتمي للألفية الجديدة، بعيدا عن الزعيق والنفير.
ومن المميز فعلا أن نرى أن هؤلاء يركزون على مفردة الإنسان في مختلف بيئاته، وينقلون الصورة الحية سياسيا واجتماعيا، لدرجة أنك تجد نفسك منسحبا إلى عالمهم، وهذا هو الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه هؤلاء من خلال إطلاق هذه الفضائيات.
في حين يسقط من حسابات إعلامنا العربي والإسلامي، الذي ما زال لا يعرف كيف يغزو عالمهم ويتحدث بلغتهم، استثمار سماحة الدين لخدمة أهداف مستقبلية تطوق هدف المغرضين وتفشل مساعيهم في ربطه بالإرهاب.. ولكن كما يقول المثل الشعبي «عمك أصمخ».
كاتبة إماراتية
m.alemarat@gmail.com