لطالما شكلت مظاهر تطور الاقتصاد الصيني مفهوماً للسيادة العالمية وفق منظور العالم الثالث، وبالأخص منظورنا نحن العرب، إلا أن الواقع والمستقبل الاقتصادي يقول خلاف ذلك.
فالاقتصاد الأميركي يحمل جوانب عالمية، ليس من خلال مفهوم الهيمنة الأميركية سياسياً واقتصادياً، بل بما تحمله العملة الخضراء (الدولار) كوحدة للتبادل الاستثماري ووسيلة ادخار عالمي، ما يجعلها أهلاً للتفوق.
ولفهم أسباب هذا التفوق الاقتصادي، لا بد أن نعود إلى أساس فرضية هيمنة الاقتصاد الأميركي، والتي تعود إلى مؤتمر برايتن وود عام 1944 وإلغائه لنظام ربط العملات الدولية بالمعادن الثمينة ودعم حرية انتقال رؤوس الأموال عالمياً، والأدق من ذلك ترسيخه للدولار الأميركي كلاعب رئيس في الاستثمار والتجارة الدولية، بل أحد عناصر استقرار النظام المالي دولياً.
اقتصادياً ليس المهم ما يعنيه الدولار للاقتصاد الأميركي، ولكن الأهم هو جوانبه العالمية كونه حلقة وصل بالاقتصاد الأميركي الأقوى استهلاكاً بما يعادل 29% الاستهلاك العالمي من جهة، وبما يشكله كمخزون مالي لدول العالم، بالإضافة إلى كونه عصب النشاط المالي في أسواق الاستثمار بالعملات عالمياً.
أما عن تحليلات المقارنة وفق مفهوم حجم الناتج القومي، فعلينا إدراك أن الدولار عملة تمرض ولا تموت، بل اجتماعياً تمرض لتواسي رفاهية الشعب الأميركي، فعلى الرغم من أن الناتج القومي الأميركي لم يتجاوز نموه 3% هذا العام، والناتج القومي الصيني تجاوز 9%، إلا أن تحليلات هذه الأرقام ترجح تفوق الأداء الأميركي من خلال إدراكنا لحقيقتين.
الأولى أن أرباح الشركات الأميركية الكبرى مثلت أكثر من ثلاثة أضعاف ما حققته في الأعوام السابقة، ثانياً أن هبوط الناتج القومي يأتي كنتيجة حتمية لكثرة التضحيات التي قدمت لإسعاف الرخاء الاجتماعي الأميركي من خلال مشاريع الصحة والتعليم ودعم الطبقة الوسطى.
أما في الجانب الصيني فالواقع أنه على الرغم من تفوق ناتجة القومي، إلا انه لا يعكس صورة مشابهة اجتماعياً، حيث يعتبر الشعب الصيني في المرتبة 93 رخاء اجتماعياً بين شعوب العالم، لندرك أن الدولار عملة تجاوزت تحدياتها الاقتصادية والمالية لتحقق قابلية على تحدي مهددات الكيان الاجتماعي.
عملة لديها مخزون من الحريات الفردية والإبداع الإنساني، وصولًا إلى المسؤولية الاجتماعية، ما أعطاها قابليه أكبر على تجديد أدائها الاستثماري.
ومع أن الصين اليوم تمارس آليات الاقتصاد الحر أو الرأسمالية كنموذج اقتصادي، إلا أن الجوهر الاشتراكي ما زال أداة لتقييم البشر وتأزم واقعهم الاجتماعي، فهي ترفض رفع قيمة عملتها مع ما يعيشه مجتمعها من تضخم غير مقبول، بل عملتها اليوم قادرة على قيادة العالم ولمدة عامين على الأقل في ظل الغياب الأميركي.
لقد أدركت الولايات المتحدة الأميركية أهمية «الإبداع» الاقتصادي كأداة بشرية ذات قيمة مالية عالية، وجاءت ترجمة ذلك ببساطه من خلال التركيز على القطاعات عالية الجودة (قطاعات التقنية والتكنولوجيا ـ صناعة الأدوية ـ الدعاية وصناعة الإعلام)، وصناعات جوهرها الإبداع والابتكار البشري في دولة تستحوذ على ما نسبته 47% من العقول العالمية في المالية والتكنولوجيا.
استراتيجيات وآليات بشرية تصوغها 15 دقيقة بين الإنتاج والتسويق وعدم التركيز على المستهلك المحلي، مع القدرة على تقليل الاستيراد وانتاج سلع وخدمات عالية الجودة بعيدة عن مفاهيم رخص الايدي العاملة، نجاحات اقتصادية دفعت صندوق النقد الدولي إلى توقع نمو التبادل التجاري عالمياً هذا العام وحتى 2014 بنسبة 3 .4%، بحيث تأتي نسبته 5 .2% من الولايات المتحدة وحدها.
أما استراتيجيات الصين والاقتصاديات الصاعدة، فما هي إلا حالة من خفض الأجور والقضاء على الضمانات الاجتماعية لتحقيق خفض في التكاليف، حالة شبيهة بازدهارالمكسيك في مطلع الثمانينات لتذهب مجهوداتها بعد ذلك أدراج الرياح، لأنها لم تراع مفاهيم التحضر البشري والرقي الاجتماعي في نموها الاقتصادي.
وبعد هذه المعطيات بين الولايات المتحدة والصين اقتصادياً، يأتي السؤال الأهم لنا عربياً؛ هل أدركنا من أين تأتي العقول البشرية بهذه القيمة المالية العالية؟
الإجابة؛ من «الجامعات» و«سيكولوجية التعليم». كلمة ثقيلة على آذان الكثيرين من الذين يرونها مصدراً للهدر المالي والخطر الأمني، من خلال فتحها لأبواب المطالبات بالحقوق والحريات والمسؤوليات، وفي أحسن الاحوال يرونها حكراً لفئة دون غيرها!
ولو تجاوزنا هذين المبدأين لوصلنا الى فرضيه «مسالمة جداً»، وهي أن دعم البحث العلمي يؤدي إلى خلق ما يفوق 9000 وظيفة مباشرة سنوياً، و49000 وظيفة غير مباشرة سنوياً، وإصدار سندات حكومية تفوق ما قيمته 700 مليون دولار في كل عام.
إبداع ينقلنا من مجتمعات تفكر كيف تبني المنازل، إلى مجتمعات هدفها بناء منظومة اجتماعية قادرة على التفاعل والإنتاج في إطار مبادئها وقيمها.
باحث في الاقتصاد الدولي
I2dubai@hotmail.com