يعتبر يوم الذكرى مناسبة يعبر من خلالها الأميركيون عن مشاعر العرفان والتقدير لأولئك الذين قدموا أسمى معاني التفاني والإخلاص لخدمة الولايات المتحدة، وقدموا حياتهم فداء لها، ومن المفترض أن لا ننسى التضحيات التي قدمها الجنود الأميركيون في الحربين اللتين خاضتهما أميركا.
فما الذي ندين به لهؤلاء يا ترى؟ لا شك أننا ندين لهم بالكثير، وننظر لهم بإجلال لما قدموه، لكن، في الوقت نفسه، ينبغي أن لا نرسلهم في حرب لا ضرورة لها، حرب اختيارية تفوح منها رائحة الطمع والمزاجية.
كما ينبغي أن يتم تكريم الجنود العائدين من الحرب، وقد اعتمد الكونغرس في السنوات الأخيرة حزمة من الإجراءات بهدف دعم قدامى المحاربين، في مجال التعليم والرسوم المدرسية والجامعية، كما قام الكونغرس بتطوير دائرة شؤون قدامى المحاربين، بحيث يمكنها من توفير الرعاية الصحية لأعضائها بشكل أفضل.
غير أن الواقع مختلف، إذ ان القواعد الأميركية محاطة بالكثير من الطماعين، الذين يتربصون بأفرادها لإيقاعهم في حبائلهم، ومنهم الدائنون الانتهازيون، وتجار السيارات غير الموثوقين وسماسرة العقارات الجشعين، ورغم أن البنتاغون أوصى بشدة بأنه يجب أن يتم تنظيم عمل تجار السيارات بحيث يخضعون لوكالة حماية المستهلك الأميركية، التي تم تأسيسها خلال فترة الإصلاح المالي.
إلا أن 60 عضواً من أعضاء مجلس النواب صوتوا لصالح استثناء أولئك التجار من الخضوع لقوانين الوكالة، ما ترك أفراد الجيش لقمة سائغة في فم أولئك التجار.
اعتقد أن أفضل خدمة يمكن أن نؤديها لأفراد الجيش هي أن نجعل من أميركا مكاناً أفضل للعيش، لتهيئة البيئة المناسبة لعودتهم من الحرب، لكي يعملوا بارتياح، ويشعروا بالطمأنينة على أنفسهم وعائلاتهم، ويحصلوا على تعليم مناسب لأولادهم.
لقد كان هذا هو نصر أميركا الحقيقي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تعيش أزمة عظيمة من الديون لا تقارن بها أزمة اليوم، لكنها ساعدت جيلاً كاملاً من الأميركيين على الالتحاق بالجامعات أو تلقي التدريب المتطور، وتحولت المصانع العسكرية إلى منشآت للإنتاج المدني الخاص بالسيارات والطائرات.
كما تم تقديم الدعم لتوفير السكن للجنود العائدين من الحرب بأسعار معقولة، وقام الرئيس الأميركي آنذاك دوايت آيزنهاور ببناء الطرق السريعة بين الولايات، ما ساعد على ازدهار الاقتصاد والبلاد بشكل عام.
وانضم قدامى المحاربين، الذين عملوا في المصانع، إلى النقابات المختلفة، وتقبل الكثير من مدراء الشركات تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية حيالهم.
رغم كل هذا، كانت أميركا لا تزال بعيدة كل البعد عن المثالية، فالجنود الأميركيون من أصول افريقية كانوا يعودون من الحرب ليجدوا أمامهم أن لغة الفصل العنصري ما زالت هي اللغة السائدة، حيث كانت المطاعم ترفض تقديم الطعام لهم، ولم تقبل الفنادق إيواءهم، وكانوا يضطرون، رغم جروحهم التي لم تندمل بعد، وميداليات الشرف التي تعلو صدورهم، إلى الجلوس في المقاعد الخلفية للحافلات.
لا شك أن التضحيات المشتركة التي قدمها السود والبيض في حروبهم، كان لها أثر في الدعوة الجادة إلى حقوق متساوية، وظهور حركة الحقوق المدنية.
خلال تلك الفترة، ما بين 1945 و1975، عاشت أميركا أكثر مراحلها ازدهاراً، حيث ظهرت الطبقة المتوسطة للوجود، كما أن دخل الأميركيين أصبح أكثر اتساماً بالمساواة، وتسارعت رواتب العمال في النمو أكثر من رواتب المدراء التنفيذيين، على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت لا تزال تأن تحت وطأة ديون الحرب القاسية، والضرائب التي وصلت حداً قياسياً بلغ 90%.
اليوم يعود المحاربون إلى أميركا مختلفة تماماً، ففي الوقت الذي نجحت حركة الحقوق المدنية في إلغاء الفصل العنصري القانوني، إلا أن أميركا تشهد لا مساواة بين السود والبيض بلغت مستويات غير مسبوقة.
ولم تفلح رواتب العمال في مجاراة التكاليف الباهظة للرعاية الصحية، والجامعات والسكن، وانتكست النقابات، وارتفعت رواتب المدراء التنفيذيين بشكل خيالي، وتنصلت الشركات الأميركية من واجباتها تجاه الدولة، رغم أن جيشها يدافع عن مصالح تلك الشركات، في أجزاء متفرقة من العالم.
الآن تعيش أميركا ما يمكن تسميته بالتجنيد على أسس اقتصادية، غير أنه من المثير للصدمة ما وجده البنتاغون من أن 25 % فقط من المراهقين في الولايات المتحدة مؤهلين للانضمام للجيش الأميركي، أما الباقون ممن يحملون شهادة الثانوية، فإما أن ظروفهم الصحية تمنعهم من الانضمام للجيش، أو أن لديهم سوابق جنائية.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية
opinion@albayan.ae