من الواضح أن تركيا استطاعت أن تنصب لإسرائيل فخا في عرض البحر!

وبقدر ما بكى الأتراك على ضحاياهم، بقدر ما ضحك العالم على وقوع دولة كإسرائيل في هذا الفخ التكتيكي.ترى ماذا تفعل إسرائيل بنفسها؟ وكيف يجري قادتها حساباتهم ؟

لماذا أصبح الساسة الإسرائيليون يقعون في أخطاء تكتيكية ودبلومساية قد تجر دولتهم إلى متاهات لا أول لها ولا آخر؟ هل تحولت دولة إسرائيل إلى دولة ساذجة سياسيا وعسكريا؟

نحن لا نقول ذلك مدفوعين بمشاعرنا الرافضة لأسلوب تعاملهم مع الشعب الفلسطيني، أو بما حدث لأسطول الحرية الذي غرق في بحر من الدم. وإنما لأن الأحداث الأخيرة تثبت ذلك.بالأمس كانت إسرائيل تشتكي لدى المجتمع الدولي من تهديد جمهورية إيران الإسلامية لها من جهة الشرق، واليوم بدأت تشتكي من تهديد جمهورية تركيا بحكومة إسلامية من جهة الغرب.

ولا أحد يعرف ولا حتى الإسرائيليون أنفسهم كيف ستحل هذه المعادلة الصعبة التي ورطت نفسها فيها أوكيف ستخرج منها؟ الحقيقة أنها لم تورط نفسها بل استطاعت تركيا أن تورط إسرائيل فيها وحتى الدول التي تدعمها. والجريمة التي ارتكبتها في حق الذين استشهدوا هي في الحقيقة مطب جديد في مشوار هذه الدولة التي تحتفل بمرور 62 عاما فقط على قيامها.

فكيف ستكمل الـ 62 عاما القادمة؟ لا أحد يعلم إلا الله. جميع الأساليب فشلت في إجبار العرب والمسلمين على بلعها. كل المؤشرات تدل على أن عيشها بسلام كجزيرة صغيرة وسط محيط هائج من العرب والمسلمين أمر مستحيل مهما بلغت قوتها العسكرية والنووية.

وعندما صرخ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بجملته المشهورة بأن العرب سيرمون بإسرائيل في عرض البحر، فإنه كان يدرك بحنكتة العسكرية والسياسية ان تمدد إسرائيل نحو الشرق سيظل مستحيلا، فحيثما تمدد اليهود سيجدون أنفسهم محاطين من جديد ببحر من المسلمين من جميع الجهات: شرقا إيران والعراق وسوريا وشمالا مقاومة حزب الله وتركيا وجنوبا حماس ومصر.

بالتالي لن يكون لهم من منفذ سوى جهة الغرب: البحر الذي جاؤوا منه أصلا.هذا ما كان يرمي إليه عبد الناصر الذي نسبت إليه تلك الجملة المشهورة. الرياح هذه الأيام تجري بما لا تشتهي سفن الدولة العبرية. حتى انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة قبل عام ونصف أزعج الكيان الصهيوني وخلط أوراقه وفتح عينيه على حقيقة انقلاب الأمور.

تركيا اليوم تقف بكل قوتها وبكل ثقل مساحتها الجغرافية والبشرية والأيديولوجية التي لم نعهدها تجاه إسرائيل من قبل في وجه ممارسات الدولة العبرية اللا اخلاقية. وتمكنت من توريطها في فخ غطرستها وكان هذا الطعم يحمل اسم «اسطول الحرية» فوقعت فيه بكل سهولة.

تماما كما وقعت قبل سنتين في فخ حزب الله في جنوب لبنان الذي اصطادت مقاومته اثنين من جنوده، وبعدها في غزة بعد أن جرتها المقاومة الفلسطينية بواسطة صواريخها المحلية الصنع إلى حرب شعواء، ومن ثم قبل شهور وقعت من جديد بإرادتها وتخطيطها هي في فخ اغتيال المبحوح في إمارة دبي دون أن تحسب حساب نتائج عملياتها في كل مرة.

في جميع الحالات واجهت إسرائيل تذمرا دوليا صريحا لم يكن ممكنا قبل عشر سنوات مضت. ومهما حاولت تبرير عملياتها الإجرامية إلا أن دول العالم بدأت تكتشف كذبها وتشعر بالملل والتذمر من سلوكيات هذه الدولة الصغيرة المدللة التي تضرب عرض الحائط بكل قوانين الكبار.

ولا تتوقف حتى هذه اللحظة عن ابتزاز الدول الغربية باستغلال دم اليهود الذين قضوا في عنابر الغاز (الهولوكوست) في ألمانيا وأوروبا الشرقية قبل 65 عاما، أو ترديدها لاسطوانتها المملة (معاداة السامية)، بينما هي ترتكب أمام عدسات المصورين نفس جرائم النازية ونفس عنصرية جنوب أفريقيا سابقا.

اليوم أعلنت تركيا صراحة موقفها من الدولة العبرية، وأعلنت رسميا وهي تدفن أبناءها بأن العلاقات بين البلدين لن ترجع أبدا كما كانت عليه قبل عملية اقتحام أسطول الحرية.

وهددت بأن دم هؤلاء ستدفعه إسرائيل. هناك سؤال لا شك يدور في رأس الإسرائيليين كل ليلة قبل أن يخلدوا إلى كوابيسهم المستمرة منذ أكثر من ستين عاما: هل باستطاعة دولتهم الصغيرة بالرغم من كل رؤوسها النووية التي تتباهى بها، مواجهة إيران من الشرق وتركيا من الغرب وصواريخ حزب الله من الشمال وصواريخ حماس من الجنوب دون أن تصاب بدوار البحر؟ الوضع خطير جدا.

وإسرائيل تدرك ذلك خاصة وإنها أصبحت تدار في السنوات الأخيرة من قبل مجموعة من السياسيين والعسكريين الذين اشتهروا بفضائح الفساد المالي والأخلاقي وجهل تام بإدارة الحروب والأزمات في بقعة من الأرض مليئة بالمفاجآت.

هناك نقطة لا بد من التذكير بها: وهي أن العرب ما زالوا غير مدركين لما يجري حولهم، وليس لهم دور يذكر في الملحمة التي تدور رحاها على رؤوسهم، وما زالوا في مرارتهم الداخلية يبكون على أبواب الأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ أكثر من ستين عاما دون أن يحصلوا حتى على قطعة سكر واحدة!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com