لم تخالف إسرائيل طبيعتها العدوانية، حين قررت ونفذت الاستيلاء بالقوة العسكرية، على قافلة سفن الحرية التي كانت متجهة إلى قطاع غزة، صباح الاثنين الحادي والثلاثين من الشهر الماضي.
لابد أن مستويات القرار إن كانت أمنية أو سياسية، قد أجرت حسابات عميقة، لما يمكن أن تؤدي إليه عملية عسكرية، لمنع أسطول الحرية من الوصول إلى قطاع غزة، خاصةً وأن من يخطط مسبقاً لمثل هذه العملية، يدرك بأنها قد تؤدي إلى سفك دماء بحق نشطاء مسالمين ينتمون إلى أكثر من ثلاثين جنسية جاءوا في محاولة سلمية، وإنسانية لكسر حصار ظالم طال أمده على مليون ونصف مليون فلسطيني.
إذاً الحديث يدور عن سلوك إسرائيلي مدروس، متعمد، وليس عملاً عرضياً، أو عشوائياً، بقدر ما أنه عمل ينسجم تماماً مع جوهر السمات التي تميز دولة يقودها ائتلاف ينسجم أيضاً مع تلك السمات التي ترسم ملامح دولة عنصرية، عدوانية، استمرأت ولاتزال، التصرف كدولة فوق القانون، يقودها مثل هذا الشعور، وتلك الطبيعة نحو تصريف فائض القوة، من خلال البحث عن حروب وضحايا، وليس البحث عن سلام واستقرار.
ومن الواضح أن الانقسام الفلسطيني، والانقسام والضعف العربي، واستمرار الولايات المتحدة في سياسة توفير الحماسة لإسرائيل، قد شكل على الدوام، عاملاً يغري صناع القرار الإسرائيلي على مواصلة سياسة ترمي لتوسيع نفوذها ومصالحها في المنطقة، باستخدام القوة الغاشمة.
ففي ضوء التزاحم الإقليمي والدولي على النفوذ والمصالح في المنطقة العربية بكل ما تعنيه من ثروات، وأسواق، وموقع استراتيجي، في ضوء ذلك، وفي ضوء تصاعد المخاطر التي تنطوي على تهديد استراتيجي وجودي لإسرائيل، فإن القيادة الإسرائيلية لا ترى أن عليها الانحسار، وتقييد وجودها في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948.
إن إسرائيل ترى أن من حقها تثمير فائض قوتها، في اتجاه التمدد، على أرض فلسطين التاريخية كحد أدنى، إن لم يكن خارج هذه الدائرة إلى الدائرة الأوسع.
لا حاجة لأحد أن يتساءل عن إمكانية توفر وسائل وأساليب أخرى، يمكن من خلالها للجيش الإسرائيلي أن يحقق هدفه بمنع وصول أسطول الحرية إلى شواطئ قطاع غزة، فالقراصنة الصوماليون لا يحتاجون لسفك الدماء، ولا يملكون ما تملكه إسرائيل من إمكانيات لتحويل وجهة السفن التي يتعرضون لها في عرض البحر.
كان بإمكان قوات البحرية الإسرائيلية أن تجر السفن والقوارب الست التي تشكل أسطول الحرية، وكان بإمكانها أن تنتظر حتى دخولها المياه الإقليمية للقطاع، بما يخفف عنها، جدل الحديث عن مخالفة معايير وقرارات دولية بشأن المسموح والممنوع على الدول، والسفن فيما يتصل بالحركة في البحار والمحيطات.
إسرائيل ارتكبت جريمتها وسفكت دماء نشطاء دوليين يحملون راية السلام والحرية، على مسافة تزيد عن مئة وثلاثين كيلومتراً، من شواطئ قطاع غزة، بما يؤكد أن ثمة لدى القيادة التي اتخذت القرار في إسرائيل، أهدافاً من وراء العملية الإرهابية تفوق في أهميتها، التداعيات التي تتوقعها من وراء استخدام القوة على النحو الذي وقع.
يبدو أن إسرائيل تواجه أزمة سياسية، تشير وقائعها إلى غياب الإدارة والمصلحة في إحياء العملية السلمية، والتي كانت سبباً في توتر علاقاتها مع حليفتها الولايات المتحدة.
كانت إسرائيل تتمنى أن لا يوافق الفلسطينيون والعرب على المفاوضات غير المباشرة، وقد فعلت الكثير من أجل دفع الفلسطينيين في غزة وفي الضفة والقدس، للرد على الاستفزازات والعدوانات الإسرائيلية الصعبة، بما يوفر لحكومة نتنياهو الذريعة التي تنتظرها للتنصل من كل موضوع المفاوضات، وتنتقل بالسياسة الإسرائيلية إلى ارتكاب عدوان واسع على قطاع غزة.
وبالإضافة إلى ذلك تشعر الحكومة الإسرائيلية بضيق شديد، إزاء كيفية تعامل المجتمع الدولي مع الملف النووي الإيراني، إذ تفضل استخدام القوة العسكرية، حتى لو أدت إلى توريط حلفائها الغربيين، عبر حروب تستهدف إعادة رسم المنطقة وخريطة المصالح والنفوذ فيها.
لقد أدركت إسرائيل أن عداءها لدولة مركزية كبيرة في الإقليم مثل تركيا لا يقل كثيراً عن عدائها لإيران، فتركيا التي تستدير بقوة نحو المنطقة العربية كمنطقة نفوذ وحركة طبيعية لها، ستصطدم عاجلاً أو آجلاً بالسياسة الإسرائيلية.
الدور التركي مقبول في المنطقة، ويتجه لأن يأخذ دوراً قيادياً، تفتقر إليه المنطقة العربية وتحتاجه في ضوء احتدام الصراع على النفوذ والمصالح من قبل أطراف ودول مشكوك في مقاصدها، وفي استعدادها لمراعاة الحد الأدنى لمصالح العرب في بلادهم.
تركيا تدرك الثمن الذي عليها أن تقدمه حتى تحرز من الأهداف والإنجازات ما يعوض غيابها الطويل عن المنطقة، وهي تبحث عن دور ومكانة في أوروبا، ولذلك فإن المواقف التركية إزاء جرائم إسرائيل المتكررة، تلك المواقف باتت تشكل النموذج الذي يفتقره الجمهور العربي في المواقف الرسمية العربية.
ويبدو أن إسرائيل قد أخذت تفقد الأمل إزاء إمكانية الاحتفاظ بمستوى علاقاتها وشراكاتها مع تركيا، فهي لم تكن بحاجة للتطاول على أسطول الحرية، الذي تشكل بغطاء تركي رسمي وبمشاركة تركية لوجستية وبشرية شكلت الجزء الأكبر من مكونات الأسطول، وإلا لما كانت أقدمت على فعلتها الإجرامية.
كاتب فلسطيني
