يأمل كثيرون في أن تكون المذبحة التي نفذتها حركة طالبان مؤخراً ضد معبدين لأتباع الطائفة الأحمدية القاديانية في باكستان أنعشت ذاكرة الإدارة الأميركية الديمقراطية القصيرة، بما حصدته من عشرات القتلى.

فمنذ أن أعلن الرئيس أوباما، سراً أو علانيةً، عزمه التحاور مع طالبان وشجع نظيره الأفغاني قرضاي على المضي قدماً في تجرع السم، يرسل الطالبانيون هداياهم الملغومة ورسائلهم المفخخة الواحدة تلو الأخرى.

فكانت الهدية الأولى، التي فضحت وهن الخطط الأميركية الحالية، عشية «الكريسماس»، ولكن القدر شاء أن يلعب دوره بعونٍ من بعض الغباء لمنفذ هجوم طائرة ديترويت النيجيري عمر فاروق، وتدخل القدر مجدداً لإبطال مفعول طرد طالبان وحلفائها في «القاعدة» بمساعدةٍ عجائبية هذه المرة من فطنة بائع اشتم رائحة الهدية ورأى دخانها يتصاعد من سيارة في ساحة «تايمز» النيويوركية فأنقذ أرواح العشرات ومعها رقبة أوباما من مقصلة الحساب العسير أمام الرأي العام الأميركي و«الكونغرس» قبيل الانتخابات التشريعية في نوفمبر المقبل.

وتوالت ردود الحركة على يد أوباما الممدودة ومبادراته المتعددة حتى جاءت العملية العبثية الأخيرة في باكستان، والتي لا يبدو أنها الأخيرة، لتكون بمثابة ساعة الحقيقة للبيت الأبيض عله يغير من أسلوب إدارته للأزمة الحالية في باكستان وأفغانستان بشقها السياسي على وجه الخصوص.

تختفي معظم مفاتيح الحل في إسلام أباد، حيث يحلو للفساد والمؤامرات التكاثر تماماً مثل فطر عش الغراب في المناطق المظلمة بعيداً عن أشعة الشمس. وبات السؤال الذي يطرح نفسه مؤخراً عما إذا كانت أجهزة الدولة الباكستانية هي التي تخترق طالبان وتوجهها حقيقةً أم أن الأخيرة هي التي تفعل فعلها في المؤسسات العسكرية ومشتقاتها؟ !!

لم يعد من الممكن وضع حدٍ لسيمفونية الدم، بالتجاهل أو التساهل مع حالة الفوضى التي تسود أركان الحكم في باكستان حتى وإن كان الأمر يعني إعادة الجنرال برويز مشرف مرة ثانية إلى مقاليد السلطة وتحمل عواقب سخط شعبي على أي إجراءات راديكالية قد تتخذ في المناطق القبلية الخارجة عن إرادة السلطة المركزية.

إذ ان تلك الأقاليم أضحت في واقع الأمر مرتعاً خصباً للانتحاريين بدرجةٍ أسوأ مما كانت عليه أفغانستان بين عامي 1996 و2001. ويتوجب أن يترافق ذلك مع حملة عسكرية شاملة في الجنوب الأفغاني تتزامن مع ترسيخ فعلي للإدارة المدنية في كابول بدلاً من السكوت على تجاوزات قرضاي وتوجيه رسائل خاطئة إلى الشعب الأفغاني بذلك.

وعليه، يصبح انتظار واشنطن هجوماً ثالثاً، قد يكون ثابتاً، لكي تبادر بضربة عسكرية داخل الأراضي الباكستانية، قضيةً خاسرة بكل المقاييس. والمشكلة الكبرى تكمن أيضاً في التعامل مع الوضع الخطير والقابل للانفجار أكثر فأكثر في المنطقة الحدودية الباكستانية- الأفغانية بدون فهمٍ واقعي لتعقيدات القضية!!.

فتركيبة «طالبان» ومنطلقاتها تمنعها من قبول الرأي الآخر أو هضم الحوار السياسي واللعبة الديمقراطية كمبدأ بحد ذاته. تبقى هجمات الطائرات بدون طيار، التي أطلقت قبل مجيء أوباما، الوسيلة الأنجع حتى الآن في الحرب على الإرهاب وهي التي أقصت أكثر من 400 متمرد.

تعرضت الإدارة السابقة للكثير من الانتقادات حيال سياستها بسبب ما كان يقال عن تأثير الخلفية البيضاء لرموزها والقصور الناجم عن نشأتهم في ولايات الغرب الأوسط على قراراتهم.

ولكن مع أوباما، الأسود صاحب الخلفية المسلمة الذي ولد في جزيرة هاواي المنفتحة وعاش ردحاً من الزمن في أكبر بلد مسلم، ما الذي يمكن أن يكون عليه العذر وهو يسعى إلى محاورة فئة افتعلت، ولا تزال وستبقى، العديد من الكوارث في بلادها وخارجها؟.

bbaker@albayan.ae