منذ سنوات طويلة لم تجد إسرائيل نفسها محشورة في الزاوية مثلما حدث الأسبوع الماضي.. لم تجد نفسها خائفة ومرتعبة رغم دعم أصدقائها في واشنطن ولندن وباريس ولم تجد نفسها مجبرة على طأطأة الرأس ووضع ذيلها بين رجليها والإذعان للشروط التي تملى عليها مثلما حدث بعد القرصنة التي ارتكبتها ضد أسطول الحرية..

ولم يكن هناك ما ينقص قوس الذل الذي أحاط بإسرائيل ووضعها في حجمها، وردها إلى سيرتها الأولى كعصابة خارجة على القانون، إلا موقفا عربيا بدا واهنا وإنشائيا وليس على مستوى الحدث.

نشطاء أسطول الحرية هم أبطال بكل المقاييس.. أبطال بمجرد النية وأبطال بالنتيجة التي انتهوا إليها رغم مقتل وإصابة العشرات منهم، فقد كانت حملتهم انجح حملات كسر الحصار على الإطلاق .

وربما تكون بالفعل قد دقت المسمار الأخير في نعشه..ويكفيهم فخرا أنهم جروا إسرائيل للأرضية التي أرادوها عليها، وعرضوها عارية على الضمير العالمي، وكتبوا بدمائهم سطر خزي آخر للمحتل يتساوى كتفا بكتف مع ما فعله أطفال الحجارة بتحطيم قناع الضحية الذي يخفي ذئبا، وقناع القيم والأخلاق واحترام الحياة الذي تدعيه دولة الاحتلال مثلما تدعي الشرف فتاة ليل.

وتبقى عدة دروس مستفادة يجب أن تعيها بعض الأنظمة العربية وتتصرف انطلاقا منها وليس من الأوهام التي تكرست طويلا.. وأصبحت داء مزمنا يقتل الجسد العربي.

الأول: هو أن القضية الفلسطينية لن تموت لأن طرفا هنا أو هناك تخلى عنها، فحين بطل السحر العربي الذي كان لعقود يدعي استعدادا لتحريرها بالسلاح ثم بالمفاوضات ثم بالانسحاق أمام الشروط (غربية الشكل وإسرائيلية الجوهر) أخذت القضية بعداً إنسانياً كونياً .

وأضحت تجد أحرارا يتحمسون لها ويدفعون دماءهم ثمنا، اقتناعا بعدالة القضية وليس رغبة في عدسات التليفزيون، من راشيل كوري المناضلة الأميركية التي دفعت روحها تحت جرافة إسرائيلية إلى دماء آخر قتيل وجريح على متن أسطول الحرية مرورا بالنشطاء (أو على الأصح بالنبلاء) الأجانب الذين قرروا سكنى غزة أو الذين يرابطون في الضفة ويتظاهرون بشكل أسبوعي دفاعا عن القرى والمزارع التي يلتهمها الجدار.. حياة القضية ليست في الميكروفونات العربية التي ظلت تعوي عقودا دون جدوى..

لكنه في الصمود على الأرض ذلك الذي يبديه الفلسطيني من قرى المثلث وأحياء القدس القديمة وصولاً إلى غزة والضفة.. فالتضحيات الحقيقية والنموذج النبيل للصمود هو أكثر ما يمكن أن يقنع بعدالة القضية.

الثاني: أن إسرائيل الأسطورة التي تعمقت وتكرست في الظلام العربي ليست إلا بيت عنكبوت كما وصفها يوما الشاعر المصري الكبير عبد الرحمن الأبنودي..

فهذه الأسطورة تزلزلت وارتعدت وارتدعت من مجرد تهديد تركيا بمراجعة العلاقات (وليس التهديد باللجوء إلى القوة لرد الصفعة) وهذا يثبت للمرة الألف أن إسرائيل ليست قوية رغم ترسانتها العسكرية وقنابلها النووية، بل العرب هم الضعفاء إلى حد مثير للسخرية.

الثالث: أن الغرب ليس كتلة صماء داعمة لإسرائيل رغم دعم حكوماته لها، فاعتباره كذلك ليس إلا نوعا من الكسل العقلي وافتقاد الرغبة في النجاح..

فالغرب يضم لوبيات ومراكز قرار وصحفا مؤيدة لإسرائيل.. ويضم أيضاً جهات مماثلة تحتاج لمن يعمل عليها ويعلي صوتها ويقدم خطابا مقنعا لها، وليس لمن يتركها فريسة لسياسة القطيع.

الرابع: أن العرب يتعاملون مع إسرائيل كداء مزمن لا سبيل لمقاومته، وهذا الشعور وحده كفيل بإطالة زمن وجودها ومنع تفكيكها، وكان الأحرى بهم أن يتعاملوا معها على الطريقة الجنوب ـ افريقية ..(نضال طويل وتعرية مستمرة وعدم يأس من عزلها عالميا) فقد كانت حكومة كيب تاون أيضاً مسلحة بقنابل نووية وتحظى بدعم أميركي ـ بريطاني حتى آخر يوم لفظت فيه أنفاسها.

لقد قدمت أزمة سفينة الحرية فرصة لا تتكرر للدبلوماسية العربية.. ولكننا كعرب نتحمس ونستيقظ لساعات ثم ننسى وننام لأجيال. كانت فرصة ذهبية لرفع الحصار عن غزة.. لكن الذين يملؤهم إحساس بأنهم محاصرون ليسوا مهمومين كثيرا بالدفاع عن حرية أحد.. ولو كان شعبا شقيقا.

magdishendi@hotmail.com