يصادف يوم غد، الخامس من يونيو، مناسبة هامة جداً هي يوم البيئة العالمي، فقد انعقد مؤتمر الأمم المتحدة الأول حول البيئة في الفترة الواقعة بين الخامس والسادس عشر من يونيو عام 1972، وذلك بغية تعزيز الوعي بأهمية البيئة في حياة الإنسان، ونشر ما يعزز اهتماماته بها من أجل القيام بواجباته تجاهها.
وعقد كذلك للفت انتباه السياسيين وصناع القرار، إلى ضرورة مراعاة ما يتصل بالشأن البيئي بنظر الاعتبار في قراراتهم وخططهم وبرامجهم السياسية.
ومنذ ذلك التاريخ أصبح الخامس من يونيو يوماً عالمياً، يحتفل به كل عام في مكان مختلف عن المكان الذي جرى فيه الاحتفال في العام الذي سبقه. كما أنه اليوم الذي صادقت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
وقد أعلن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في الثامن عشر من فبراير المنصرم، اختيار عاصمة رواندا «كيغالي» مركزاً لاحتفالات عام 2010، وذلك لأن هذا البلد يتميز بتنوع بيئي قل وجود نظير له من جهة، ولأنه يتميز بسجل بيئي خاص يجعله من بين أفضل الدول في مقاربته للقضايا البيئية وتشريع اللوائح لحماية البيئة ووضعها موضع التنفيذ من جهة أخرى.
والاحتفال بهذا اليوم يأخذ عادة أشكالا ومظاهر شتى، ويسهم في إحيائه طيف واسع من المجتمع، يضم قادة سياسيين وناشطين إجتماعيين وأساتذة جامعات وباحثين ومفكرين وأدباء وفنانين وطلبة.
ويحضر احتفال هذا العام 30 ألف شخص من بلدان عديدة، في مقدمتهم الرئيس الرواندي والمدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبعض نجوم هوليوود المرشحين للحصول على جائزة الأوسكار.
هناك فعاليات متنوعة تتخلل الاحتفالات بهذه المناسبة، تشمل مسيرات شعبية وحفلات موسيقية، ومحاضرات تثقيفية لتنمية الوعي البيئي حول الحفاظ على الطاقة وترشيد استهلاك المياه.
كما يجري فيها الإعلان عن نتائج مسابقات بيئية، وعرض أفلام سينمائية عما يجري في مناطق أخرى من العالم في هذا الصدد، ويتم غرس الأشجار والقيام بحملات لتنظيف شواطئ الأنهار والبحار.
كما تقدم عروض عن آخر المبتكرات في مجال تحسين علاقة الإنسان بالبيئة، سواء في مجال الحفاظ على الرقعة الخضراء أو الحرص على إدامة المواد الطبيعية وأساليب تدويرها.
والحقيقة أن هذه الجهود الدولية النبيلة لم تثمر كثيراً في تحسين الظروف البيئية، ولم تفلح في درء أخطار محتملة تهدد البيئة بشكل خطير، إذ إن أبرز القضايا التي قد تتسبب في التغيرات المناخية وفي عواقب لا نستطيع التنبؤ بها من جراء ذلك، لا تزال ماثلة أمامنا دون حلول حقيقية.
فقد فشلت الأمم المتحدة أكثر من مرة، منذ مؤتمر ريو في تسعينيات القرن المنصرم وحتى قمة كوبنهاغن في أواخر العام الماضي، في الحصول على إجماع للحد من انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يعتبر الأكثر تهديداً للبيئة، خاصة ما يتعلق بظاهرة الاحتباس الحراري.
كما أنها فشلت في منع وقوع عشرات الحروب في مختلف بقاع العالم منذ الإعلان عن برنامجها البيئي، إذ بغض النظر عن من هو المنتصر أو الخاسر في هذه الحرب أو تلك، فالضحية الأكبر هي البيئة.
لم يكن صوت الأمم المتحدة البيئي هو الأعلى في العقود الأخيرة، بل صوت منظمات مدنية في عدد من الدول الأوروبية، أبرزها ألمانيا، حيث لعبت هذه المنظمات دوراً كبيراً في التوعية بالقضايا البيئية، وتحول بعضها إلى أحزاب سياسية تحمل اسم البيئة أو بعض ألوانها، وأصبحت تمتلك مساحة لا يمكن إهمالها في صناعة الكثير من القرارات السياسية.
وقد انتعشت الحركات التي تتبنى الدفاع عن البيئة وتنظم الحملات العالمية لممارسة الضغوط على الحكومات، وتقوم بفضح من يقوم بالالتفاف على القوانين المشرّعة لحماية البيئة. وقد أصبحت لهذه الحركات شعبية كبيرة، خاصة في أوساط الشباب، لأنها تدافع عن قضية تهم كل إنسان، بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الوطني أو غير ذلك.
هنالك مؤشرات قوية على أن الدعوات للاهتمام بالبيئة، بدأت تلقى آذاناً صاغية من لدن الحكومات. فقد أصبح للعديد من الدول وزير للبيئة، وكثر الحديث عن اعتماد التنمية المستدامة وضمان الحفاظ على الموارد الطبيعية في التخطيط للمستقبل. وأصبحنا نشهد هنا وهناك وسائل تحويل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، إلى طاقة كهربائية تستخدم بشكل عملي.
إلا أن الخطوة الأكثر أهمية على الإطلاق، هي تأسيس الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) في يناير من عام 2009، وهي منظمة حكومية دولية لتشجيع اعتماد الطاقة المتجددة على نطاق العالم، عن طريق تبادل الخبرات وتنسيق العمل بين الدول الأعضاء، وقد اتخذت هذه الوكالة من عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة أبو ظبي مقراً لها.
وثمة عنصر هام ناقص في الجهود التي تبذل من أجل البيئة، وهو ما يتصل بالإنسان نفسه. فالبيئة ليست هواء نقياً وأرضاً خضراء ومياهاً عذبة فحسب، فمن الناحية الأكاديمية، للبيئة أربعة عناصر أساسية هي: الماء والهواء واليابسة والكائنات الحية.
فالمنظمات الدولية إذ تبذل جهوداً كبيرة، تستحق التقدير، في التوعية بضرورة الحفاظ على بعض الكائنات المهددة بالانقراض، وتحث على إقامة محميات خاصة لها، وتقدم ما يمكنها من مساعدات من أجل تحقيق ذلك، إلا أنها من جانب آخر لا تقدم للإنسان، وهو على رأس الكائنات الحية أهمية، ما يكفي من الناحية العملية من اهتمام يرقى لحجم معاناته.
فوفق الإحصائيات التي تصدر عن منظمات دولية، ومنها الأمم المتحدة نفسها، فإن هنالك ثلاثة مليارات شخص في مختلف بقاع العالم، أغلبهم في القارة الإفريقية، يوجدون تحت خط الفقر، وهناك أكثر من مليار شخص من بين هؤلاء، لا تتوافر لهم الفرص للحصول على مياه صالحة للاستهلاك البشري، ناهيك عن عدم توافر فرص التعليم وفرص الحصول على الخدمات الصحية.
ولعل أبلغ مثال عن المعاناة الإنسانية التي تدين المنظمات الدولية لعجزها عن مواجهتها، هو ما جرى قبل أيام حين قام القراصنة الإسرائيليون بالسطو، في المياه الدولية، على أسطول الحرية المتجه لتقديم العون والمساعدات الإنسانية لما يقرب من مليوني إنسان فلسطيني في غزة، محاصرون في أرضهم الضيقة منذ ما يزيد على الألف يوم.
يوم البيئة العالمي مناسبة تدعونا للتأمل في حجم الدور الذي نلعبه، أفراداً أولاً ومؤسسات ثانياً وحكومات أخيراً، للانتقال من سلوكيات نابعة عن ثقافة العداء للبيئة والرغبة في السيطرة عليها وتطويعها لخدمتنا، إلى سلوكيات تنبع من ثقافة جديدة تتمحور حول صداقة البيئة والتناغم مع إيقاعاتها.
كاتب عراقي
