الأزمة التي نشبت مؤخرا بين مصر والسودان من جهة، ودول حوض النيل الأخرى، ليست فنية تتعلق بتوزيع المياه، بقدر ما هي سياسية تتعلق بالسياسات الافريقية للدول العربية، وعلى رأسها الدولتان المعنيتان.
وإذا كانت الأزمة كما يحاول البعض أن يصورها، هي نتيجة لتنامي علاقات إسرائيل ببعض الدول الافريقية، وأنها مؤامرة بين الطرفين على الحق العربي، فإن هذا التحليل يتجاهل أن العرب هم المسؤولون عن ترك الساحة الافريقية خالية، على الرغم من الشوط الذي قطعته عدة جولات من الحوار العربي الافريقي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
والأزمة هي حصاد سياسات خارجية للدول العربية خلال العقدين الماضيين، تجاهلت الدول الافريقية تماما، وركزت على الولايات المتحدة وأوروبا، في الوقت الذي كانت فيه القوتان الأخيرتان تساعدان الدول الافريقية ماليا من أجل بناء السدود التي تضار منها الدولتان العربيتان!
وبالتالي فإن حل الأزمة الحالية مرهون بسياسة عربية مختلفة، ليس تجاه دول حوض النيل فحسب، وإنما تجاه الدول الأفريقية كلها، ليس فقط لأن هناك مصالح مشتركة تجمع بين الجانبين، بل لأن تخلي العرب عن افريقيا جعلهم يفقدون سندا قويا في المحافل الدولية، وهو ما أثر على قضاياهم الكبرى وفي ومقدمتها القضية الفلسطينية.
وللتدليل على ذلك، تكفي مراجعة آليات التصويت في الأمم المتحدة في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي حاليا، ومقارنتها بنفس الآليات في سبعينات القرن الماضي.
والأسلوب الذي اتبعته الدول الافريقية في ما يتعلق بالتوقيع على اتفاقية الإطار الخاص بمياه النيل، والتصريحات التي صدرت عن قياداتها حول مصر والسودان، تؤكد أنه كانت لديها نزعة انتقامية على الصعيد الرمزي تجاه دول حوض النيل العربية، وكأنها تلوم الدول العربية على عدم تخصيص جزء من ثرواتها النفطية أو إمكاناتها العلمية، في عملية تطوير الدول الافريقية أو الاستثمار فيها.
ولكن في نفس الوقت، نستطيع من خلال تحليل خطاب بعض المسؤولين الافارقة في الدول المعنية، أن نقول إن هناك فرصة لتدارك الأمر في حال غيرت الدول العربية سياستها، خاصة في ما يتعلق بالاستثمار هناك.
إن الأزمة بين مصر والسودان ودول حوض النيل، لا تخص الدولتين العربيتين وحدهما، وإنما هي أزمة لا بد أن تكون بمثابة جرس إنذار لباقي الدول العربية، على أساس أنها تؤكد أن العرب يخسرون الأرضية التي بنوا عليها منذ عهود التحرر الوطني، وهو أمر قد تكون تأثيراته سلبية على الدول العربية في المستقبل، خاصة في ظل نظام دولي تتغير مراكز القوى فيه لصالح دول من العالم الثالث استطاعت أن تنهض اقتصاديا، وأعطاها الاقتصاد الفرصة لكي تمارس دورا سياسيا مركزيا.
كل ذلك يحدث في الوقت الذي ما زال فيه العرب يراهنون على علاقة خاصة وأحادية مع الولايات المتحدة الأميركية، دون أن يساعدهم ذلك سياسيا أو اقتصاديا، وإنما أصبحت هذه العلاقة في عمقها عبئا على الدول العربية.
وهذا يعني أنه على الدول العربية جميعا أن تبحث عما يمكن أن تساعد به مصر والسودان، من أجل تجاوز أزمتها الحالية مع دول منابع النيل، وذلك يمكن أن يكون ثنائيا أو في إطار جماعي عربي عبر جامعة الدول العربية، لأن الأزمة سياسية شاملة، ولا تتعلق بتوزيع مياه النيل فقط.
وهناك بعد مهم يتعلق بالأزمة الحالية، هو سياسات الدول العربية تجاه القوى السياسية والشعبية في الدول الافريقية، فالدول العربية في تعاملاتها تركز على الحكومات، وتساعد بعض الحكومات الاستبدادية، وعندما يحدث تغيير في الحكم عبر الانتخابات الديمقراطية أو عبر انقلاب عسكري، يكون أحد مرتكزات الحكم الجديد هو الانتقام من الدول التي ساعدت الاستبداد، وهو الأمر الذي يضير الشعوب العربية.
وبالتالي فإن على الدول العربية أن تفتح المجال أمام الدبلوماسية الشعبية، جنبا إلى جنب مع الدبلوماسية الرسمية، بحيث تكون لدى الدول العربية محاور مختلفة في علاقتها مع دول تتكون من إثنيات عرقية متعددة، ومن قوى سياسية مختلفة، وبعضها يقف على شفا حرب أهلية بسبب الاختلاف بين الإثنيات وميراث العداء المتوارث بينها.
كما يجب أن تعي الدول العربية توازنات القوى الإقليمية، فهناك تداخل بين الأعراق والاثنيات في معظم الدول الافريقية، وقد يوجد حل مشكلة ما مع دولة افريقية، في علاقات العرب مع دولة افريقية أخرى تتشارك معها في العامل الإثني، وهذا الوضع يوجد في أوغندا وإثيوبيا ورواندا وبوروندي، وغيرها من الدول الافريقية.
وكانت مصر في السابق لديها آليات لهذا الأمر، منها الجمعية الافريقية التي كانت مكانا لاجتماع رموز حركة التحرر الوطني الافريقية في ستينات القرن الماضي، وقد أصبحوا فيما بعد زعماء للدول الافريقية بعد تحررها، ومنظمة التضامن الافريقي الآسيوي، التي كانت مثالا للدبلوماسية الشعبية والتي قامت بدور كبير في نسج علاقات الشعب المصري بشعوب افريقية وآسيوية، وشركة مصر للتصدير والاستيراد التي قامت بجهد كبير في التبادل الاقتصادي بين مصر ودول افريقيا وبناء مصالح اقتصادية مشتركة بين الجانبين.
وصندوق التعاون الفني مع افريقيا الذي أرسل متخصصين للعمل في الدول الافريقية في مجالات عدة.. كل ذلك يضاف إلى الدور الذي كان يقوم به الأزهر، من خلال فتح الباب أمام تعليم أبناء الدول الافريقية في جامعته، والبعثات التي تذهب إلى هناك من أجل نشر الفكر الإسلامي.
لكن كل ذلك تراجع الآن، ووضعت مصر رهاناتها الأساسية تجاه الولايات المتحدة، فكانت النتيجة هي ما تعاني منه الآن في علاقاتها مع دول حوض النيل.
كاتب مصري