هناك وجوه حولنا يمكن وصفها بأنها مرآوية بالفعل.. تكاد تنبئك بما في داخلك ربما دون أن تنطق، أو قبل أن ينطق أصحابها بشيء.. لا أعتقد أنها كثيرة، لكنها موجودة، وبعضنا يشعر بالألفة تجاهها..

يحبها ويحب صراحتها، لأن المرآة لا تجامل ولا تكذب، بل تنقل بالضبط ما تراه أمامها، دون تزيين ولا تزييف، لا سلباً ولا إيجاباً، على الرغم من أن التزيين والتزييف كليهما شيء واحد.. سلبي.. لأنه تغيير للحقيقة بأي شكل كان.. إلا أننا درجنا على النظر إلى التزيين بوصفه شيئاً إيجابياً، والتزييف بوصفه شيئاً سلبياً.

أما بعضنا الآخر فلا يطيق هذه الوجوه.. بل يكرهها ويكره أصحابها، لأنه يريد أن يسمع أشياء محددة موجودة في ذهنه سلفا، حتى إن لم تكن متوافقة مع حقيقته، ومثل هذه الوجوه لا تستطيع أن تقدم له ما يريده مخالفةً ما تراه وتعتقده.. فهي مضطرة دائما، بحكم طبيعتها الصقيلة العاكسة، إلى أن تقول الصدق، ولا شيء غيره.

حين أفكر في المرايا المحيطة بنا، أشعر بأنها أقل عددا ـ بدرجة أو بأخرى ـ مما ينبغي، وأشعر لذلك بأننا في حاجة إلى المزيد من الوجوه المرآوية فيما نراه حولنا من وجوه، لأننا أصبحنا نفتقد الصدق والصراحة في حياتنا وفي علاقاتنا المختلفة، ورؤية مثل هذه الوجوه تعيد إلينا شيئا من التوازن النفسي الذي يشعرنا بأننا لا نزال بخير.

لا أريد أن أقول إننا نعيش في محيط كاذب ومخادع ومنافق، ولا أريد أن أقول إن الناس تبني علاقاتها الاجتماعية ـ وربما العائلية ـ على الزيف والكذب، ولا أزعم أننا نعيش في عالم متخدش المرايا، متشوه الوجوه..

ليس هذا ما أريد أن أقوله على الإطلاق، كما أنني لا أريد ـ في الوقت نفسه ـ أن تُنتزَع المجاملة من كلامنا فيصبح ثقيلاً جافاً، لا يرغب أحدنا في أن يمر لا على لسانه (متكلماً)، ولا على أذنيه (مستمعاً)، بل على العكس؛ من الضروري أن يبقى دائما هناك هامش للمجاملة التي ترطب تفاصيل حياتنا الجافة أصلاً قولاً وفعلاً، وتبعث في النفس شيئا من الراحة الباردة التي تنعشها وترد إليها شيئا من ثقتها بنفسها التي تفقدها أحيانا مع كلام بعض المنتسبين إلى المرايا، وهم أبعد ما يكونون عنها.

والمجاملة عنصر يكاد يكون أساسيا في أي حوار يومي، ووجودها لا يساوي الكذب، ولكن المبالغة فيها، والوصول إلى درجة النفاق والخداع هي الرديف الطبيعي للكذب.

ولا يكاد يخلو أي حوار من حواراتنا اليومية من قدر من المجاملة، وإلا لكره الناس بعضهم من شدة نفورهم من قسوة الصدق والصراحة؛ لأن الصدق والصراحة على قدر ما هما مهمان ومرغوبان من قِبَل «بعض» الناس، فإنهما لا يمكن أن يُتقبلا، إن ألقيا دون تلطيف الكلام، ودون إضافة بعض الملونات والمنكهات التي تُكسبهما بعض القبول، بدلاً من أن يُقدما بحدة وجفاء أقرب إلى التوبيخ والتعنيف منهما إلى النصح والتوجيه.

حتى الوجوه المرآوية من الممكن أن تجامل وتبقى محافظة على مرآويتها، بل إن أصحاب الوجوه المرآوية ربما يكونون من أشد الناس حاجة إلى استخدام المجاملة، ذلك الفن الذي يتقنونه بامتياز، ويعرفون شروطه وحدوده، كي يتمكنوا من نقل الصورة الواقعية التي لديهم للشخص الواقف أمامهم، دون أن يجرحوه، أو يحرجوه، أو يزعجوه بما يحاولون أن يوصلوه له من ملاحظات ستساعده على أن يكون أفضل بكل تأكيد.

ليس من السهل أن يكون الشخص مرآوي الوجه، إنه في حاجة إلى الإمساك بالعصا من المنتصف تماماً، فلا يبالغ في الصراحة حتى لا يكون فظاً غليظاً، ولا يبالغ في استخدام عبارات المجاملة ويصل بها إلى الكذب أو النفاق، لأنه حينئذ..

قد يفقد طبيعته المرآوية، وذلك بالتدريج.. كلما «بالغ» في مجاملة أحد، ظهر على سطحه خدش بحجم يتناسب مع حجم «المبالغة» في المجاملة التي قدمها، وهكذا، إلى أن يصبح كقطعة مشوهة من المرايا، لا يمكن أن يُرى من خلالها شيء، أي أنه سيفقد خصلة الصدق والصراحة التي عُرف بها من قبل.

ومثل هذه الوجوه لا يمتلكها إلا شخص هادئ النفس، مرتاح البال، لا يقصد تتبع عيوب الآخرين، ولا يهدف إلى كشفها وتعرية صاحبها أمام غيره، بل على العكس من ذلك تماما، يسعى الشخص مرآوي الوجه إلى دفع الآخرين ليكونوا أفضل، وذلك بتنبيههم إلى ما في شخصياتهم من مواطن قوة، قبل مواطن الضعف، فهم حين يصبحون أقوى سيتمكنون من إدراك نقاط ضعفهم على نحو أكثر وضوحاً مما لو كانوا ضعفاء.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com