اختتم لبنان شهراً كاملا من الانتخابات البلدية، طغت «معاركها» المحلية على الملفات الإقليمية والتهديدات الإسرائيلية.
فما هي حصيلة هذه الانتخابات، على مستوى الأحجام السياسية؟ وما هي أبرز الدلالات التي يمكن الخروج بها؟
أولاً؛ على وجه الإجمال، حافظت القوى السياسية الرئيسية (حركة أمل، «حزب الله»، تيار المستقبل، النائب وليد جنبلاط، العماد ميشال عون، «القوات اللبنانية»، تيار المردة) على حضورها ونفوذها، وقدرتها الشعبية، وإن حصلت بعض التبدلات في وزن كل طرف سياسي، كما أن الولادات السياسية اختلطت وتقاطعت مع الولاءات العائلية.
فالثنائي حركة «أمل» و «حزب الله»، حافظ على نفوذه الكبير في البقاع والجنوب والضاحية الجنوبية من بيروت، وإن كان الجديد يتمثل في نجاح القوى اليسارية والمستقلين في اختراق لوائح الثنائي الشيعي، في عدد غير قليل من البلدات والقرى الجنوبية، مما يشير إلى نمو واتساع حركة اعتراض شعبي على أداء هذين التيارين على المستوى الخدماتي.
فإذا كان الدفاع عن المقاومة واحتضانها شأنا يجمع عليه الجمهور الشيعي بكامل أطيافه، إلا إن الملاحظات تتراكم حول السلوك العملي لرموز «أمل» أو «حزب الله»، ومدى كفاءاتهما أو حسن اختيارهما من جانب قيادتي التنظيمين.
ثانياً؛ حقق تيار «المستقبل» نصرا سهلاً في بيروت، وإن كانت نسبة الاقتراع متدنية، وصيدا. لكن نجاحه في البقاع لم يكن حاسماً. أما في طرابلس وبعض الشمال فقد دخل تيار «المستقبل» في ائتلافات واسعة ومصالحات سياسية (مع الرئيس عمر كرامي مثلاً) ومحلية.
ثالثاً؛ حافظ التيار العوني على حضوره الواسع في جبل لبنان، وحقق نصراً ثميناً في مدينة جزين المسيحية، وبلدة الحدث، وإن كان تعرض لهزيمة كبيرة في قضاء جبيل الذي كان معقود اللواء ل«التيار الوطني الحر». أما في زحلة، فقد نجح التيار في تسجيل أرقام مميزة لمرشحه الوحيد في المدينة.
رابعاً؛ استمرت «القوات اللبنانية» حاضرة بقوة في جبل لبنان والشمال (بشرى)، والشريط الحدودي الجنوبي، والشطر المسيحي من العاصمة بيروت بالتحالف مع تيار «المستقبل».
خامساً؛ شكل تحالف جنبلاط ـ أرسلان وزنا كاسحاً في الشطر الدرزي من جبل لبنان، كما في حاصبيا وراشيا، وإن كان خضع كما سواه من الأحزاب، للولاءات العائلية ذات الطابع المحلي.
سادساً؛ لعب المال والإغراءات المالية دوراً لا يستهان به في عدد من المناطق (زحلة خصوصاً)، من دون أن يكون عنصراً مقرراً بامتياز، كما حدث في الانتخابات النيابية التي قدر الخبراء المبلغ الذي أنفق خلالها بمليار دولار أميركي، على سبيل الرشوة والمظاهر الانتخابية (احتفالات، صور، سيارات وناقلات)..
سابعاً؛ كان حضور المرأة ضعيفا في الترشيحات، سواء للانتخابات البلدية أو الاختيارية، مما دفع مراقبين كثيرين إلى التذكير بالمطلب المزمن للحركة النسائية، ولمشروع وزير الداخلية والبلديات زياد بارود تخصيص «كوتا» نسائية داخل كل قائمة ترشيحات، حفاظا على التوازن العام وعلى وزن النساء في العمل النيابي أو البلدي، بما يوازي الحضور النسائي في المجتمع (قطاع التربية مثلاً).
ثامناً؛ رغم أن المعارك البلدية جرت في مناخ عام من الهدوء، إلا أن العنف لم يكن غائبا تماما عن محور من المواجهات في بعض المدن والبلدات (صيدا مثلاً شهدت أعلى نسبة من العنف أدت لما يزيد على عشرين جريحاً)، مما يشير إلى درجة عالية من الاحتقان السياسي والشخصي وجدت تعبيرها في الانتخابات البلدية والاختيارية.
تاسعاً؛ كان حضور الجيش وقوى الأمن الداخلي كبيراً جداً، بحيث ساهم في إمرار الانتخابات بأقل قدر من الصدامات والمواجهات. كما أن الجميع شهد لقوى الأمن من جيش وقوى أمنية، بنسبة عالية جدا من الحياد بين المرشحين واللوائح المتنافسة.
في خلاصة الخلاصات؛ إن التجربة الانتخابية التي عاشها لبنان، أكدت على الحاجة إلى إصلاحين رئيسيين شدد عليهما الوزير بارود:
أولاً: الحاجة إلى اعتماد الاقتراع على قاعدة النسبية، لا على قاعدة الأكثرية التي تحصد جميع المقاعد. فالنسبية تحفظ للجميع حقهم في الوصول تبعا لحجم كل طرف، ولا تلغي حق الأقلية في أن تمثل حسب وزنها الشعبي وحصتها من أصوات المقترعين. أما في النظام المعمول به اليوم، فإن اللائحة التي تحظى بأكثرية الأصوات تربح كامل عدد أعضاء المجلس البلدي، مما يهمش الأقليات السياسية ويحول دون التمثيل العادل للجميع.
ثانيا: ضرورة وضع سقف أعلى للنفقات التي يحق للمرشح أو اللائحة استخدامها، على أن تخضع هذه النسبة لمراقبة هيئة عليا مشرفة على الانتخابات تكون مستقلة عن وزارة الداخلية.
ويبقى، أخيراً، أن كثيرين كانوا يتساءلون: لماذا إجراء الانتخابات على دفعات متتالية زمنيا عوض إجراءها في يوم واحد، طالما أن ثمة قدرة للقوى الأمنية على ذلك؟
كاتب لبناني
adm.admco@gmail.com