حتى ولو بدا غضباً، كان أكثر حزناً، أكثر أسى، وعجز ينخر النخوة ويهدر دمها على سفوح الكرامة، فلا صلاح الدين سيعود ولا أمل دنقل يسحل بشعره السفهاء من الامة، هو الحال هكذا حينما اختارت الأشرعة ان تسلم مصيرها لعصف الريح. فلا بوصلة ولا نجمة في السماء السوداء تهدي إلى السبيل.
ولا إخوة اقرب إلى الوريد ولا حكمة تتدفأ تحت عباءة حكيم، ولا خيل تصهل في أول النهار. حتى ولو بدا استهجانا واستنكارا وصرخت الحناجر في وجه الحقيقة كي تصحو من غفوتها ومرضها لتقوم من تحت جليدها المتجمد، ستبقى المعادلة ناقصة في قصة الحضارة التي تنهزم كلما مر الوقت.
كل الذين تحدثوا بالأمس في مقابلات نشرات الأخبار من أنحاء العالم واستباحوا مقولات في الإنسانية وحقوقها واشاروا إلى شعارات العدالة وأشاروا إلى حراسها بدو وكأنهم عميان يسيرون خلف جنازة لا تهتدي إلى طريق المقبرة. هل لأن العالم لا يرانا؟ ام اننا لا نرى العالم؟
هل لأننا أسلمنا أشرعة السفن لرياح المؤامرة؟ ام هو العجز امام شرير ضعيف ومريض ينضح بالقيح من شدة مرضه، مع هذا نبدو ضعفاء في هيبته المخدوشة؟ طارت نشرات الأخبار بالخبر، تحولت ساعات النهار إلى مأتم، دفن الغضب رأسه في صحن الموت واستراح، خرجت الوجوه المعروفة من جحورها لتؤدي أدوارها المعتادة، انتهى دوامها الرسمي، في الوقت الذي ما زال جرح المتطوع ينزف على سطح السفينة.
«ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي أمس الأول، جريمة قرصنة دولية، راح ضحيتها نشطاء في أسطول الحرية الذين قتل وجرح العشرات منهم ليدفعوا بدمائهم ثمن محاولة كسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ ثلاث سنوات».
أميركا لا تصوت مع قرار فيتو ضد إسرائيل وضد جرائمها، خبر خبره العالم والعرب بالذات منذ عقود، دول الاتحاد الأوروبي تسوق عواطفها للفلسطينيين والعرب كما تسوق شركات التجميل موادها على خدود واجساد العارضات وبنات الهوى في مجلات البلاي بوي.
البلدان العربية لا تفرط جملة وتفصيلا في مبادئ الصداقة والتعاون المشترك مع دول داعمة وحامية لدولة الشر إسرائيل وجنرالاتها من مصاصي الدماء.. والدول العربية أول من يبصم عمياني على أي ميثاق دولي، وأول من يحني رأسه بالطاعة والولاء لأي تقرير تصدره اصغر واتفه منظمة حقوقية في أي بلد او قرية اجنبية، وتنصاع دول عربية بكاملها وتسلم لو اشار التقرير اليها بالاتهام..
حتى ولو بدا غضبا، كان أكثر حزنا، اكثر أسى، وعجز ينخر النخوة ويهدر دمها على سفوح الكرامة، فلا صلاح الدين سيعود ولا امل دنقل سيسحل بشعره السفهاء من الأمة. يمر اليوم يتبخر الغضب شيئا فشيئا تعود الحياة إلى طبيعتها.. يختفي وجه عبدالباري عطوان وصوت عمرو موسى، تلوح في الأفق صورة كولن باول وهو يكذب امام مجلس الأمن حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.
