يصعب عليّ نطق الأسماء اليابانية عموماً، أما أن يترسخ اسم ياباني في ذاكرتي لفترة طويلة فتلك مهمة أكثر صعوبة بكل تأكيد. ومع ذلك، فإنني ما زلت أتذكر اسم ذلك الياباني المسنّ الفائز بجائزة نوبل لعام 2008، توشيهايد ماسكاوا، كما أتذكر اسم زوجته أكيكو.
وبالتحديد فإن ما يحضرني بشأن هذين الشخصين، هو ذلك اللقاء السريع الذي أجراه أحد الصحافيين مع أكيكو، التي نابت عن زوجها ماسكاوا في التحدث إلى وسائل الإعلام. من جملة ما قالته تلك المرأة، إن زوجها لا يسافر خارج بلاده أبداً، وإنه نادراً ما خرج حتى من نطاق البلدة التي يسكن فيها، ناهيك عن أنه لا يطيق اللغة الإنجليزية مع أنها الأكثر تداولاً في الأوساط العلمية، وأنه لا يجيد سوى بضع كلمات من تلك اللغة التي يناصبها العداء.
ليس هذا فحسب، إذ كشفت أكيكو أن زوجها لم يستخرج جواز سفر في حياته، بمعنى أنه لم يغادر بلده ولم يحتكّ مباشرة بمراكز الأبحاث الأميركية والأوروبية.
سرّ تذكّري لتلك التفاصيل الصغيرة، نابع من أني تخيّلت أكيكو توجّه كلامها «اللاذع» إلى أولئك الذين لم يتوقفوا يوماً عن ترديد مقولة إن الإبداع حكر على هذه اللغة أو تلك، وأنه من دون لغة «الخواجات»، لا إبداع ولا يحزنون!
ربما لم تقل أكيكو صراحة إن قيم الانتماء والأصالة والتمسّك بالهوية، تنتج أكثر أنواع الإبداع رسوخاً وعمقاً وتأثيراً في الحاضر والمستقبل. وهي لم تستطرد لتقول إن الإبداع المنسلخ عن هويته، سيبقى في أحسن أحواله مجرد استثناءات جميلة لا تلغي القاعدة العامة، حتى وإن خلقت شخصيات نجومية تثير حماسة المصفقين في لحظة انفعال.
لكن عباراتها البسيطة والمباشرة لامست تلك القناعات الراسخة لديّ.
لست من محبي جلد الذات، ومع ذلك لا أعلم لماذا أجدني مندفعاً للاستطراد في هذه المقالة، لكي أنقل لكم واقعة أخرى أثارت استغرابي الشديد؛ وستبقى في ذاكرتي لفترة طويلة أيضاً، إذ اكتشفت ذات يوم بمحض الصدفة أن ابني يتعلّم تاريخ العباسيين والأمويين باللغة الإنجليزية، تخيلوا!
مدرسة في بلد عربي مسلم، تعلّم أطفالاً عرباً ومسلمين، عن تاريخ أمة عربية ومسلمة، بلغة غير عربية!
قالوا إن اللغة العربية غير قادرة على استيعاب مفردات العلم، سكتنا وإن لم نقتنع.
أما أن يُدرّس تاريخنا العربي لأطفالنا الذين من أصلابنا بلغة غير لغتنا، فتلك مسألة ربما يصحّ فيها الاستغراب الشديد، ما رأيكم؟
ماذا يتبقى من الهوية عندما نفرّط في اللغة التي تمثّل وعاء ثقافتنا وكينونتنا الحضارية؟ لست من دعاة التقوقع على الذات، ولا أنا من دعاة عدم تعلم الإنجليزية وغيرها من اللغات الحية. أنا مع الانفتاح على الثقافات الأخرى في هذا العالم. لكن الانفتاح المطلوب هو انفتاح مدروس، يؤدي إلى استزراع الثقافات العالمية في الواقع المحلي واستيعابها باللغة الأم، لغة الضاد.
أنا مع انفتاح يشبه انفتاح الأمة في العهد العباسي، عندما أرسل الخليفة المأمون بن هارون الرشيد بمبعوثيه إلى القسطنطينية، طالباً من حكامها أن يعيروه كل ما في مكتباتها من مجلدات وكتب ومخطوطات، حيث تم تحميل الآلاف منها على ظهور الجياد والإبل في رحلة نحو حاضرة الخلافة الإسلامية، وكانت في انتظارها حينئذ ورشة تعريب كبرى شكلت جوهر «بيت الحكمة»، الذي شكل بدوره مركز إشعاع معرفي وحضاري انطلق من قلب الإمبراطورية الإسلامية، إلى العالم أجمع.
منذ ذلك العصر وحتى اليوم، لم تشهد الأمة سوى القليل من التجارب الحقيقية والمخلصة لتعريب المعارف العالمية واستيعابها. وتقتضي الأمانة العلمية أن أشير إلى ما قامت به مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، من ترجمة لمئات الكتب الأجنبية إلى اللغة العربية، وما أنجزته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ضمن برنامج «كلمة»، بالإضافة إلى مبادرات أخرى لا يتسع المقام لتعدادها.
إن الحديث عن أزمة الهوية، هو نفسه الحديث عن أزمة اللغة وأزمة الثقافة وأزمة التاريخ، ولعل التعرض لمعضلة بهذا الحجم وبهذا الامتداد الزمني الذي يصل لمئات السنين، لا يمكن أن يتم من دون تكاتف الجهود بين مختلف الجهات التي يعنيها أمر استنهاض الأمة.
مثل هذا المشروع يحتاج إلى تضافر جهود الجميع؛ حكاماً ومحكومين، في الحكومة والقطاع الخاص، في المؤسسات الرسمية والمنظمات الأهلية، وبطبيعة الحال، وقبل كل شيء، المؤسسات التعليمية.
من دواعي الأسف أن مدارسنا وجامعاتنا العربية، تتسابق اليوم لاعتماد لغات أجنبية في تعليمها لأبنائنا.
ومما يزيد من دواعي الأسف، أن هذا التسابق يوازيه سباق آخر نحو القفز على لغة الضاد وإحالتها إلى المتحف. وكل ذلك انطلاقاً من أوهام تقوم على أن لغة «الخواجات»، هي الوحيدة التي تمكننا من فهم العصر. فماذا كانت النتيجة؟
آلاف الجامعات العربية التي تتجاهل لغة الضاد، لم تفلح في تقديم عالم عربي واحد يحوز جائزة نوبل، بينما جامعة يهودية واحدة في فلسطين المحتلة، وهي الجامعة العبرية، قدمت للبشرية أربع جوائز نوبل في الكيمياء والفيزياء والاقتصاد.
هل تعلمون أن اللغة الرسمية المتبعة والمحبذة في الجامعة هي العبرية؟ وهل تعلمون أن العبرية الحديثة كلغة رسمية لا يتجاوز عمرها 62 عاماً، وهو نفسه عمر اغتصاب فلسطين؟
رحم الله المفكر العربي الكبير ابن خلدون، إذ قال «لغة الأمة الغالبة غالبة، ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة»!
مدير عام الهيئة العامة للمعلومات
Salem.alshair@gmail.com
