يتعاظم الدور الذي تقوم به الجامعات، عندما تلتحم بمحيطها المجتمعي وتتفاعل مع قضاياه وتدلي بدلوها في ما يواجهه من قضايا، ولا تظل حبيسة إطار محدد مكتفية بالدور التعليمي رغم أهميته. ولقد حرصت جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا دائماً، على ألا تكون بمعزل عن المجتمع المحيط بها، بل تسعى دائما لتجسير هذه العلاقة، ضاربة بذلك مثلاً لجامعة بلا أسوار.
ومما عمق هذا التوجه، ذلك التعاون الصادق الذي تجده من الهيئات والمؤسسات في الدولة، لإحداث حالة من الحراك المجتمعي يقول فيه كل صاحب فكر وقلم كلمته. فقد أقامت جامعة عجمان مؤخراً بالتعاون مع هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، وبرعاية كريمة من سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي عهد الفجيرة، ملتقى إعلاميا تحت شعار «الإعلام تغطية للأحداث.. أم صناعة لها؟».
ولا شك أن طرح العنوان في شكل تساؤل، لهو دليل على حالة من الارتباك والالتباس أصابت العديد من المتابعين للمشهد الإعلامي الراهن، سواء العربي أو العالمي، في ما يتعلق بالأدوار التي تقوم بها وسائل الإعلام والتطورات التي طرأت على هذا الدور.
لقد مرت وسائل الإعلام بالعديد من المراحل في سعيها لتغطية محيطها بما يشمله من أحداث، ذلك أننا ظللنا لفترات طويلة ننظر إليها باعتبارها النافذة التي نطل من خلالها على العالم، والحاسة السادسة التي نملكها لتقرب لنا ما بعُد علينا، واعتقدنا أنها تنقل لنا ما يحدث حولنا من أحداث، لنكتشف فيما بعد أنها تختار لنا ما تريد هي أن نسمعه ونعرفه، وتحجب ما لا تريده دون إبداء أسباب، وتحدد لنا اللغة التي تخاطبنا بها، وتنحت الجديد من المصطلحات وتلاحقنا بها حتى تصبح لغة التداول في ما بيننا.
اعتقدنا لفترات ليست بالقصيرة أنها تعكس قيم المجتمع الذي تنتمي إليه، ولما أذهلنا المشهد أدركنا أنها تقدم لنا في كثير من الأحيان، القيم والعادات والتقاليد التي تروج هي لتبنيها، كذلك دون أسباب معلنة، وتوهمنا من خلال ما تقدمه من إعلانات أنها تساعدنا على الاختيار الصائب بين البدائل المتعددة، وإذا بها تعمل على خلق احتياجات لا تنتهي لسلع نندفع لاقتنائها ولسنا بحاجة إليها.
في تقديري أن وسائل العالم لا تقدم لنا الواقع كما هو، لكنها تقدم لنا الواقع الذي تحدده هي على أنه هو الحقيقة بعينها. ولكون الشريحة الغالبة من الجمهور غير مدركة لهذه التركيبة المعقدة، لتقديم الحدث والدراما والإعلان، أو ليست لديها الرغبة في هذا الإعياء الذهني، تستسلم لما تراه وتتقبل هذا الواقع على أنه الحقيقة، وقد لا يستطيع البعض أن يميز بين الواقع المصطنع عبر وسائل الإعلام، والواقع الحقيقي المعاش. استمرأت وسائل الإعلام لعب هذا الدور على كافة المواد المقدمة، بدءا من برامج الأطفال في الصباح حتى اللحظات المتأخرة عند تقديم الحصاد الإخباري.
إن أساليب الخطاب المتبع في وسائل الإعلام ليست عفوية أو انفعالية، وإنما تعبير عن أساليب علمية مبتكرة ورسائل إعلامية تصاغ بصورة مقننة وموجهة بشكل مقصود، من خلال صياغات مهنية معدة بشكل مؤثر تخضع لدراسات وأبحاث علمية جادة، وكل مضمون يخاطب حاجات أو رغبات أو غرائز إنسانية أو أفكاراً عقلية، بقصد الحصول على استجابات محددة حول موضوع أو حدث أو قضية.
لذلك أصبح بإمكان القائمين على وسائل الاتصال الجماهيري، التلاعب بمشاعر الناس وأحاسيسهم وعواطفهم وعقولهم، من خلال رسم صورة لا تعبر عن الواقع، بل قد تتجاوزه أو تشوهه أو تهيئ لحدث قد يأتي فيما بعد، خاصة وأنه في ظل تراجع معدلات القراءة، أصبحت ثقافة مجتمعاتنا ثقافة الصورة وثقافة المشهد أكثر من أي شيء آخر، مما عظم القوة التأثيرية لهذه الوسائل لدرجة أصبح الفكاك منها أقرب إلى المستحيل.
لذلك قام بعض وسائل الإعلام على تقديم صور مزيفة للمشاهد العربي، عن الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها بعض المجتمعات الغربية وأنها جنة الله على الأرض، مصورة لهم أن تلك الصور من الحريات والرفاه الاجتماعي لا يمكن وصولها، إلا من خلال أخلاقيات وسلوكيات تقوم على تخلي الأفراد عن قيمهم وعاداتهم الاجتماعية الرصينة بدعوى التحضر، بدلاً من بحث ومناقشة الأسباب الحقيقية لتراجع العرب وتقدم غيرهم.
لقد تحولت وسائل الإعلام من تقديم الواقع كما هو ونقل الوقائع كما حدثت، إلى صناعتها. ومما ساعدها على النجاح في ذلك، التطورات التقنية التي حدثت في هذا المجال وساعدت القائمين عليه من استخدامها لصالح صناع القرار أحياناً والممولين أحياناً أخرى. لذا لا نستغرب حين تبدأ طبول الحرب تدق في وسائل الإعلام لتهيئ المشاهد لما قد يحدث على الأرض.
حتى في القضايا الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، استطاع الإعلام الغربي أن يحول الجاني إلى ضحية والمجني عليه إلى جلاد. فبينما كان العالم يشاهد على شاشات التلفاز صورة الطفل يواجه الدبابة والجرافات بحجر، كانت التعليقات والتفسيرات في وسائل الإعلام المنحازة تقول «انظروا إلى قسوة الرجل الفلسطيني، يجلس في بيته يداعب زوجاته ويترك طفله يلقي حتفه وحده»!
هذه هي الممارسات الإعلامية التي جعلتنا نطرح السؤال ولا نزال؛ هل الإعلام يغطي الأحداث أم يصنعها؟
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com