يصعب على الكثيرين فهم جوهر العلاقات بين روسيا وإيران، خاصة في ظروف مثل التي تمر بها الآن بعد التصعيد المتبادل في التصريحات بين المسؤولين في البلدين، على أثر إعلان واشنطن أن روسيا والصين وافقتا على مشروع قرار عقوبات جديد ضد إيران.

ورغم أن الإعلان شمل الصين وروسيا، إلا أن التصريحات كانت متبادلة فقط بين موسكو وطهران، الأمر الذي يثير التساؤلات والشكوك حول مدى جدية هذه التصريحات، وما إذا كانت أمرا متفقا عليه، أو تمثيلية مرتبة من الطرفين.

خاصة وأن الأمر لم يتعد كونه حديثا عن عقوبات لم تحدد بعد، وربما بعد تحديدها تجد فيها موسكو «كعادتها» أي ثغرة تجعلها تعترض عليها أو تمتنع عن التصويت، بينما تعترض عليها الصين كما هو متبع دائما في هذا المسلسل «المكسيكي» المستمر بلا ملل، على مدى نحو خمسة أعوام مضت!

ومن المعروف أن إيران تعيش في ظل عقوبات وحصار اقتصادي منذ نحو ثلاثة عقود مضت، والحديث عن عقوبات مشددة جديدة يدور ويتصاعد ويتراجع على مدى العامين الماضيين، ولم يحدث مرة أن صرحت موسكو بأنها ضد العقوبات، وذلك بالتحديد ما هو قائم وسارٍ منذ تولي الرئيس ديمتري ميدفيديف مهام الرئاسة في الكريملين.

وفي خريف العام 2008 تصاعد الحديث حول عقوبات مشددة على إيران، بشكل ملحوظ وأكبر مما هو قائم الآن، وصدرت تصريحات حادة ومباشرة من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مست روسيا باتهامات بشكل مباشر، ومضى الأمر ولم يحدث أي شيء، ولم تتأثر العلاقات بين موسكو وطهران، بل على العكس بدأ بعدها الحديث عن صفقة أسلحة كبيرة روسية لإيران، تتضمن منظومات دفاع صاروخية قوية وحديثة.

الآن يأتي هذا التصعيد في التصريحات بين البلدين في ظروف لا تبرره على الإطلاق، حيث ظهرت بوادر إيجابية في البرنامج النووي الإيراني نتيجة مبادرات إيرانية إيجابية على طريق التهدئة، كان آخرها الاتفاق الثلاثي حول الوقود النووي بين إيران وتركيا والبرازيل، كما أن الأمور في واشنطن أهدأ عن ذي قبل تجاه إيران، في الوقت الذي تستبعد فيه تماما هجمة أحادية من جانب إسرائيل ضد إيران.

إذاً، ما السبب وراء هذا التصعيد في التصريحات الذي أثار ضجة إعلامية كبيرة، واعتبره كثيرون نقطة تحول في العلاقات بين البلدين؟

من المستبعد تماما أن تكون لدى موسكو أية شكوك حول سلمية البرنامج النووي الإيراني، وهو ما أكده رئيس الوزراء بوتين حين كان في الرئاسة أكثر من مرة، وكيف تكون هناك شكوك بينما روسيا هي التي تتولى تنفيذ هذا البرنامج منذ بدايته حتى الآن.

وكافة التقنيات المستخدمة في البرنامج النووي الإيراني هي صناعة روسية، رغم ما تزعمه القيادة الإيرانية أحيانا من أن بعض التقنيات صناعة إيرانية خالصة، وهو أمر غير منطقي، ولا يقبل الروس وضع تقنيات مختلفة بجانب تقنياتهم في محطات نووية واحدة، فما بالنا إذا كانت تقنيات من صناعة دولة ليست لديها هذه الإمكانيات!

أيضا، لا يمكن تصور وجود أية صفقة بين موسكو وواشنطن ضد إيران، ولا يوجد لدى واشنطن ما تقدمه لروسيا، بل على العكس واشنطن هي التي بحاجة ملحة لروسيا في أفغانستان، ولا يمكن أيضا تصور تخلي روسيا عن حليف إقليمي كبير مثل إيران، تربطها به علاقات قوية سياسية واقتصادية وتجارية واستراتيجية أيضا.

فالعلاقات ين البلدين ليست فقط في المجال النووي، بل في مجالات أخرى أكثر أهمية، مثل مصادر الطاقة في بحر قزوين وعمليات بيع السلاح، وأيضا في قضايا الأمن الإقليمي في منطقة القوقاز.

روسيا هي الحليف الاستراتيجي الأول لإيران، إن لم يكن الوحيد، باعتبار أن الصين قد تكون حليفا اقتصاديا أو سياسيا، لكنها ليست حليفا استراتيجيا يمكن أن يتدخل بقوة وقت اللزوم، بينما روسيا يمكن أن تفعل.

إذاً، ما سبب التصعيد الأخير؟ وهل هو حلقة جديدة من المسلسل «المكسيكي» الطويل؟ أم أنه كما يقول البعض خطة لتمرير منظومة الدفاع الصاروخية الروسية «إس ـ 300» لإيران، دون معارضة أميركية وإسرائيلية مقابل قرار عقوبات تعرف موسكو مداها ولا فائدة من ورائها؟

علينا الانتظار حتى نرى هذه العقوبات، ونحن على يقين من أن العلاقات بين روسيا وإيران ستظل كما هي، رغم أية تصريحات حادة.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru