اعتدنا النظر إلى قضية القومية العربية على أنها في الأساس قضية سياسية، أو قضية سياسية واقتصادية، ولكن القومية العربية اليوم أصبحت قضية ثقافية في المقام الأول، إذ إن الخطر الأساسي المحدق بها يدور اليوم حول هوية الأمة وثقافتها، (و ذلك بالمعنى الواسع للثقافة الذي يشمل كل ما يميز أمة عن غيرها).

اعتدنا أيضا الاعتقاد بأن تحقيق الآمال القومية مهمة منوطة في الأساس بالدولة، فالدولة هي التي يمكن أن توحّد العرب سياسيا واقتصاديا. ولكن عندما تكون القضية الكبرى قضية الحفاظ على الهوية والثقافة القومية، فإن المسؤولية الكبرى في التصدي لها تقع أساسا على المجتمع المدني، من جمعيات أهلية ومدنية، ومفكرين واعين بخطورة المشكلة ومستقلين عن الدولة.

إن العولمة تضعف الدولة، ولكنها قد تقوي الأفراد. وكأن العولمة عاصفة هوجاء تغرق السفن الكبيرة، ولكنها قد تترك فرصة للنجاة أمام القوارب الصغيرة.

لقد اعتدنا أيضا أن نضع آمالنا كلها في دولة قائدة، هي الدولة العربية الأكبر سكانا والأكثر أسلحة. ولكن ماذا لو أن دولة القلب قد أصابتها علل جسيمة، لأن قوى العولمة ركزت عليها أكثر مما ركزت على غيرها، فإذا بالدول العربية الأطراف، التي لم تكتسحها قوى العولمة بنفس القدر، والأكثر تمسكا بمقومات الأمة العربية، أصبحت قادرة على الدفاع عن وجود هذه الأمة أكثر من قدرة الدول العربية الأكبر حجما؟

إنى أزعم أن قضية الدفاع عن القومية العربية اليوم قد أصبحت أكثر منها في أي وقت مضى، دفاعا عن وجود الأمة أصلا، بل إني سأزعم أيضا أن ما طرأ على عالمنا العربي خلال الخمسين عاما الماضية، يحفزنا إلى النظر إلى مشكلة العدوان الصهيوني على فلسطين، والعدوان الأمريكي على العراق، على أنهما قد تجاوزا بكثير قضية احتلال أرض وتشريد شعب وتبديد موارد.

إن هذين الاعتداءين يبدوان اليوم، من خلال ما تتعرض له الأمة العربية كلها في كافة أجزائها من عدوان ثقافي وعقلي ونفسي، مجرد مظهرين (وإن كانا اليوم أكثر المظاهر حدة وقسوة) لمحاولة محو الأمة العربية من الوجود، لا بالمعنى المادي، أي بمعنى القتل والتشريد، بل معنويا، بمحو الهوية أو إذابتها والقضاء على وعي الأمة بذاتها، لا عن طريق مجرد التفرقة والتجزئة، بل عن طريق محو ذاكرتها، بتزوير تاريخها وتخريب لغتها.

لهذا فإنه ليس من قبيل الصدفة أن نجد أعداء الأمة العربية، لأول مرة في تاريخ هذه العلاقة المشؤومة بينهم وبين هذه الأمة، يتعمدون ألا يشيروا إليها باسمها. لا مانع لديهم من أن يشيروا إلينا كمسلمين، والأفضل من هذا أن يشيروا إلينا كشرق أوسطيين.. أما العرب أو الأمة العربية أو العروبة، فيفضلون تجنب استخدام هذه الأسماء، إمعانا في إنكار وجود الهوية العربية أصلا، وتسهيلا لمهمتهم في محوها محوا.

لهذا السبب، أي بسبب هذا التغير الذي لحق بما تتعرض له القومية العربية من تهديد، أعتبر الدفاع عن القومية العربية اليوم من قبيل الواجب الأخلاقي، أكثر مما كان في أي وقت من الأوقات.

لقد كان الانتصار للقومية العربية دائما موقفا محمودا ونبيلا، سواء عندما كان الهدف تحرير البلاد العربية من احتلال أجنبي لأراضيها، أو مقاومة استغلاله لمواردها الاقتصادية، أو تجزئة الأمة إلى دول والتفريق بينها، أو تشريد سكان بلد عربي وإحلال غيرهم محلهم.

ولكن الأمر الآن يبدو لي وكأنه تجاوز هذا كله إلى ما هو أكبر وأخطر، وهو النفاذ إلى عقل هذه الأمة ووعيها بذاتها، وهنا تتحول الضرورة السياسية أو الاقتصادية، أكثر مما كانت في أي وقت مضى، إلى واجب أخلاقي.

إن الغضب من الاحتلال العسكري للأرض، أو الاستغلال الأجنبي للموارد، أو حتى الغضب من قيام الأجنبي بطرد أهلي من قراهم ومدنهم، هو أقرب للغضب من عملية سرقة أو اعتقال أو تعذيب، وهو غضب يقابله غضب أشد ومن نوع مختلف، وهو غضب لانتهاك العرض، إذ إن كل شيء يمكن تصحيحه إلا هذا.

من الممكن أن يستعاد المال المسروق، ويطرد المحتل من الأرض، ويعود المطرودون إلى قراهم ومدنهم، وتتوقف عمليات التعذيب، ويطلق المعتقلون من سجونهم، ولكن فقد العرض لا يمكن تعويضه.

هكذا أنظر إلى ما تتعرض له القومية العربية اليوم من تهديد. فالغضب لما يحدث للغة العربية اليوم أشبه بالغضب للاعتداء على الشرف، وكذلك الغضب لتسميتنا بغير أسمائنا، وتغيير المقررات المدرسية بما ينطوي على تزوير للتاريخ، من أجل إجبارنا على التنازل عن هويتنا والتسليم عن طيب خاطر بما يقوله أعداؤنا عنا، وقبول ثقافتهم وكأنها ثقافتنا، ومعاييرهم في الصواب والخطأ كما لو كانت معاييرنا.

إن مقاومة كل هذا هو ما أعتبره واجبا أخلاقيا، أكثر مما كانت مقاومتنا لأي اعتداء سابق على القومية العربية. وبسبب كل هذا، يبدو لي الوازع الأخلاقي لإحياء الحركة القومية العربية، أهم بكثير مما كان في أي مرحلة من مراحلها الثلاث السابقة.

لا أستطيع أن أزعم، وقد وصلت إلى هذه النقطة في وصف الخطر الذي يهدد القومية العربية اليوم، أني شديد التفاؤل بمستقبلها.

فإذا صح القول بأن القومية العربية قد وصلت إلى حد أن أصبح وجود الأمة نفسه مهددا، فإننا يجب أن نعترف لأنفسنا بأن مهمة الدفاع عن القومية العربية أصبحت مهمة بالغة الصعوبة وعبئها بالغ الثقل. إننا كلنا مهددون، ولكن الخيانة أيضا في كل مكان.

ولم يعد من الممكن أن نقتصر في توجيه اللوم لما أصاب القومية العربية من انكسار، على الدول والحكومات، فالمثقفون العرب، والأفراد العاديون، يقومون بأعمال الخيانة كل يوم: في القرارات والمواقف السياسية والاقتصادية التي يتخذونها، في الكتب ووسائل الإعلام، في الجامعات والمدارس، بل وحتى في مباريات كرة القدم.

ولكن التفاؤل والتشاؤم، وإن كانا عاملين مهمين في تحديد الموقف السياسي الذي يختاره المرء، فإنهما لا يجب على الإطلاق أن يحددا الموقف الأخلاقي. وإذا كان دعم حركة القومية العربية قد أصبح، كما حاولت أن أبين، أكثر مما كان في أي وقت مضى، موقفا أخلاقيا، فإن علينا اتخاذه، أيا كانت قوة شعورنا بالتفاؤل أو التشاؤم.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu