أرابيسك، الشهد والدموع، وقال البحر، ليالي الحلمية، ضمير ابلة حكمت، عصفور النار، رحلة ابو العلا البشري، زيزينيا، المصراوية.. والعديد من المسلسلات والسيناريوهات التي خطفت المشاهد العربي إليها، وأفرغت بسببها الشوارع عند ساعات بثها.. عشرات من المسلسلات التي جمعت قلوب المشاهدين العرب حول قصة واحدة، من مشرق الوطن العربي إلى مغربه ومن جنوبه إلى شماله.

أسامة أنور عكاشة الذي ترجل عن الحياة وأسلم روحه إلى بارئها، تاركا خلفه كنزا ثمينا من الأعمال التي لا تنسى، أعمال تغذت عليها مشاعر وأفكار المشاهد العربي، احترمها وقدرها واعتبرها قيمة فنية لا يمكن العبور عليها، هكذا عبور، أعمال درامية ذات قيم عليا، ليس هدفها التجارة ولا الربح، ليست للبيع الرخيص، ولا تستهتر بالعقل العربي وتغذيه بالهش، بل أعمال درامية ارتقت إلى مستوى الأدب الراقي..

وهذا ما جعل الراحل أحد أهم كتاب السيناريو وأحد أهم كتاب مسلسلات الأجزاء، وهي عادة ما تكون مغامرة محفوفة بالمخاطر، إلا أن أديبنا وهذا السيناريست العملاق الذي تخسره الساحة العربية اليوم والذي بقي لصيقا ومحافظا على علاقة وثيقة بمشاهده، أكد عكس ذلك، حينما يكون المبدع أمينا مع واقعه ومع تاريخه ومع قضاياه المصيرية..

هكذا كان يكتب عكاشة، وهكذا كان ينحت على الورق تفاصيل الشخصية المصرية التي لاحقها في فكرها، وفي سلوكها، وفي تاريخها، وفي مواقعها المختلفة، في القصور والشوارع والحواري وخلف الأبواب وخلف الظلام..

كاتب نوعي ومثقف نوعي، لم يذهب إلى الفن الا لقضية ولمسؤولية عظيمة، ومن يتأمل مسلسلاته وشخوصه ويتأمل الثقل الفكري المضخوخ فيها، والشفافية المرهفة في التعامل مع الواقع، يدرك انه أمام مفكر وأمام مراقب وأمام مبدع راصد لحالة شعبه وقومه..

وإذا كانت وسائل الإعلام والمحطات الفضائية والأوساط الفنية تبكيه اليوم، فإن على كتاب السيناريو والدراما، وخصوصا الخليجيين، أن ينتبهوا إلى اثر هذا العملاق، وان يتمعنوا في أعماله الخالدة باعتبارها نماذج وأسلوبه مدرسة كاملة المعالم.

ان الدراما الخليجية بالذات، هي الاحوج من سواها للانتباه إلى اشتغال عكاشة على واقع مجتمعه، والشخصية المصرية التي قدمها بمعادلات موضوعية متوازنة، وقرأها قراءات متعددة لم يهادن فيها ولم يراوغ، ولهذا صارت أعماله وثائق مهمة في التاريخ..

إن كتاب الدراما الخليجية الذين يتصدون لكتابة واقعنا، عليهم أن يعوا ما كان يفعل الراحل عكاشة من أجل الأمانة التاريخية، وهذا ما كان يعتمد عليه رحمه الله.

mhalyan@albayan.ae