عندما تأسس هذا المجلس قبل 29 عاما وتحديدا في 25 مايو 1981، فإن معظم أبناء هذا الجيل لم يكونوا قد ولدوا بعد. ومنذ ذلك التاريخ هناك إذن جيلان ولدا بعد تأسيسه. وكان الطموح أكبر من الاستعدادات الموضوعة له.
رغم أنه لا يضم سوى ست دول كلها تقع على ساحل الخليج العربي. ولم تأت الفكرة من فراغ، فنموذج اتحاد الإمارات العربية المتحدة وما حققه على مدى عشر سنوات (أي ما بين 1971 و1981) كان مبهرا للجميع.
والكل توقع أن تنجح التجربة على مستوى الخليج. كان وقتها معظم أبناء جيلنا في بداية دراساتهم العليا في الجامعات الغربية، وكان الخبر يحمل لنا آمالا سارة على مستوى المنطقة.
البعض منا تفاءل لأبعد من حدود المعقول، وتوقع أن يقوم بعد عشر سنوات أخرى (أي في 1991) اتحاد عربي شامل من الخليج إلى المحيط سيرا على نموذج اتحاد الإمارات ومن بعده اتحاد مجلس التعاون. غير أن التفاؤل الكبير باتحاد يضم جميع الدول العربية بدأ يتقلص شيئا فشيئا ثم انحصر (نفسيا) في مجلس التعاون الخليجي.
وبعد عشر سنوات، بدأ المجلس يضع الخطوط العريضة لمستقبله القادم، وانتعشت الآمال من جديد، وتوقعنا ـ كما توقع الكثير من الأخوة العرب الذين أحزنهم الشتات العربي ـ أن يصبح المواطن الخليجي في بلد واحدة، لا تحدها الحدود السياسية، ولا تفرقه العملات المتنوعة، وباقتصاد واحد لا تتضارب فيه المصالح الشخصية.
وانتظرنا طويلا السفر ببطاقات الهوية الخليجية، والتعامل بالعملة الخليجية الموحدة، وشراء منتجاتنا المختومة بختم الصناعة الخليجية. وهذا ليس من صرف خيالاتنا المكبوتة منذ استقلالنا عن الاستعمار الأوروبي (ولو شكليا)، وإنما هو الانتظار لتطبيق ما اتفقت عليه دول مجلس التعاون.
فقد حدد النظام الأساسي لمجلس التعاون أهداف المجلس في (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية.
والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والإعلامية والسياحية والتشريعية، والإدارية، ودفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص).
فماذا تحقق من كل ذلك؟
فكرة هذا المجلس لم تأت من غير هدف. وعندما وضعت الفكرة موضع الدراسة ثم التنفيذ كانت المخاطر التي تحيط بسكان المنطقة أقل بكثير مما هي عليه الآن.
ولكنها فكرة نتجت لحاجة الظروف المهيمنة وقتها، عندما أدرك أهالي المنطقة بأن مستقبلهم وهم على هذه الحال من الفرقة في خطر، وإن نجاتهم في اتحادهم خاصة بعد تفجر الثورة الإسلامية في إيران وهي على بعد أمتار منهم وحدودها تحيط بهم من كل جانب.
وعندما اكتشفوا مدى سرعة اشتعال نيران الحروب بين دول الجوار في إشارة إلى الحرب العراقية الإيرانية التي تعتبر أطول حرب شهدها العالم في القرن العشرين، أي أطول من الحرب العالمية الأولى والثانية مجتمعين، وأتت على الأخضر واليابس، وخلفت مليون قتيل ناهيك عن الجرحى والمشردين والأيتام.
وكلفت مئات المليارات من الدولارات. لذا لا نستغرب بأن يقوم اتحاد مجلس التعاون مباشرة بعد مرور ثمانية أشهر فقط على اندلاع هذه الحرب التي شارك فيها مرغما بشكل مباشر وغير مباشر.
هنا أيقن الخليجيون أن مصير مستقبلهم يتوقف على أمر واحد: التعاون فيما بينهم وبالسرعة القصوى. بل وذهب طموح مجلس التعاون إلى توسيع دائرة مجلسهم ليضم دولا شقيقة كالعراق واليمن. ولم يتحقق هذا الأمل.
وبما أن السبب الأول والأخير في اندلاع حرب داحس والغبراء بين العراق وإيران كان الخلاف على الحدود، فقد قرر أعضاء مجلس التعاون حل خلافاتهم الحدودية حتى لا يقعوا في نفس المصير. وبُذلت جهود كثيرة ومضنية في هذا السبيل. ونجحوا هنا وفشلوا هناك. إلا أنهم شعروا بالاطمئنان بعض الشيء في وحدتهم.
إلا أنه بمجرد زوال غيمة الأزمة حتى بدأ مجلس التعاون يتردد في الانتقال إلى مرحلة تنفيذ أهم بنوده. وما زلنا بعد مرور 29 عاما نستخدم جوازات سفرنا، ولا تربط اقتصادنا عملة موحدة، ولا خطوط سكك حديدية ولا حتى على مستوى القرارات السياسية الخارجية. والذي يرى وضعنا من الخارج يعتقد بأن كل دولة من دول مجلس التعاون تغرد خارج السرب.
اليوم نحن في أمس الحاجة إلى ركن الخلافات جانبا. نحن لا نتوقع أن لا توجد اختلافات في وجهات النظر أو حتى خلافات صغيرة في مسألة الحدود، ولكننا بالتأكيد قادرون على حلها بحكمة حكامنا وعدم الاستماع للمغرضين ممن لا يودون خيرا لأهالي هذه المنطقة التي أنعم الله عليها بالخير والأمن والاستقرار الذي لا يدوم لأحد، وما أكثر هؤلاء المغرضين.
منطقتنا تعيش هذه الأيام حالة من الغليان، والدول الكبرى مشغولة بترميم اقتصادها المنهار يوما بعد يوم، ولم تعد قادرة حتى على حل مشاكل ديونها المتراكمة فكيف بالدفاع عن حقوقنا أو حمايتنا من أي معتد خارجي؟
وبرزت معسكرات كبرى إقليمية كتركيا التي تريد أن تعيد تاريخ الدولة العثمانية، وإيران التي تريد أن تعيد تاريخ فارس القديم في توسعها في مواجهة الإمبراطورية الرومانية، المتمثلة هذه الأيام في ا لتحالف الغربي ضد الشرق الإسلامي ثم هناك سوريا التي تريد أن تثبت ثقلها أمام الخطر الصهيوني، وأخيرا الخطر الصهيوني الذي يريد أن يؤكد للجميع مدى تفوقه العسكري في المنطقة. ولا بد بالتالي من الانضمام إلى أحد هذه المعسكرات. أو كلها معا.
هذه هي الحقيقة المرة التي نحاول أن نغمض أعيننا عنها ولكنها ماثلة كالشمس. نحن لم نتطرق بعد إلى التحديات الاقتصادية والتربوية والصناعية وغيرها..... وهذا موضوع لا يقل خطورة عن سابقه..
فهل لا يزال هناك وقت للتفكير في المستقبل وفي الموقف الموحد لدول مجلس التعاون؟
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
