إذا كان العرب فشلوا في الحرب وفشلوا في السياسة خلال مجمل صراعهم المزمن مع إسرائيل فإن هناك مجالا لا مظنة فيه لخسارة، ذلك أنه يخاطب قلوب الإنسانية وعقولها عبر الصورة والموسيقى واللقطات التليفزيونية، بل والشهود الأحياء الذين يمكنهم أن يرووا ما حدث من جرائم بحق الإنسانية أكانوا ضحايا لها أو شهودا عليها.
ليس مطلوبا سوى تجميع ما يصفه القانونيون ب «أدلة إثبات» على ما اقترفته إسرائيل ضد الإنسان والشجر والحجر في أرضنا العربية، ووضعها في متاحف يتم إضفاء الصفة الرسمية عليها حتى تكون مزارا للقادة والزعماء الذين يتقاطرون على عواصمنا..
يمكن أن تبدأ فكرة متاحف الهولوكوست الذي تعرضنا له بخمسة متاحف في العواصم العربية الرئيسية، أحدها في مقر الجامعة العربية وأرشح القاهرة والرياض ودمشق والجزائر لاستضافة الأربعة الباقين، إضافة إلى متحف متنقل يزور العواصم العالمية التي يمكن أن تسمح بعرضه فيها.
لانريد من هذه المتاحف أن تعرض غير واقع ماحدث، فالحقيقة التي نملكها أثمن من الأساطير التي افلحوا في صنعها، صورنا حقيقية بعضها صورها اسرائيليون وليست صور تفشي المجاعة ومرض التيفوئيد في المانيا خلال الحرب الثانية، وضحايانا تقطر ملامحهم عروبة وليسوا ضحايا قصف مدينة دريسدن الالمانية الذين عرضت صورهم في محاكم نورمبرغ على انها صور إبادة لليهود.
ولأننا نملك الحقيقة، فلسنا بحاجة إلى تحويل محرقتنا إلى تابو، كما اننا لسنا بحاجة إلى التمثيل بمن ينكرها كما فعلوا مع قائمة طويلة بدأت عام 1962 بالمحامي الأميركي فرانسز باركر يوكي (عن كتابه الحكم المطلق) وضمت هاري أيملر بارنيس المؤرخ الشهير والأستاذ بجامعة كولومبيا، وجيمس مارتن.. وويلز كارتو الأميركيان، والمؤرخ الفرنسي الشهير بول راسنير (عن كتابه دراما اليهود الأوربيين) والذي للمفارقة كان مسجونا في المعتقلات الألمانية لكن ذلك لم يجعله ينساق في قطيع الأسطرة.
ضمت قائمة ضحايا انكار الهولوكوست اليهودي ايضا عشرات آخرين أشهرهم آرثر بوتز أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب (عن كتابه.. أكذوبة القرن العشرين) والمؤرخ البريطاني ديفيد ايرفنج (عن كتابه.. حرب هتلر) والكندي ريتشارد فيرال (عن كتابه.. أحقا مات ستة ملايين؟).
سنترك من يختلف مع المحرقة التي نصبت للعرب حرا.. قد نناقشه بالحسني..او نحاول اقناعه بالحقيقة لكننا لن نطارد اولاده ونخرجهم من المدارس ولن نلاحقه بالديون حتى يجد نفسه في الشارع أملا في أن يخضع، كما فعلوا مع ايرفنج. ولا بأس من ان نقيم تماثيل لهؤلاء الذين سبحوا ضد التواطؤ ولم تسمح لهم ضمائرهم بتمرير اساطير زائفة في متاحفنا، حتى يدركوا ويدرك ابناؤهم أن جهدهم في إظهار الحقيقة لم تذره الريح.
لنتصور مثلا ان كل متحف من هذه المتاحف أنشأ موقعا الكترونيا بكل لغات العالم الرئيسية، أليس ذلك كفيلا بأن يجعل كفة الميزان تعتدل ليدرك العالم من الضحية؟ ومن الجلاد؟..
انا متأكد أن نصف يهود اسرائيل سيشعرون بالعار من كونهم اسرائيليين إذا نحن فعلنا ذلك، وكسرنا الصمت المطبق الذي يجعل كل من يزور غزة أو الأراضي المحتلة الان من كبار مثقفي العالم يعترف بأنه لم يكن يعرف شيئا عن قضية فلسطين.
هذه المتاحف المقترحة ليست رفاهية والأموال التي ستصرف عليها ليست ضائعة، والمطلوب ليس كثيرا.. الا تستطيع كل دولة عربية ان تقتطع له من ميزانيتها ولو 2% من صفقات السلاح التي تشتريها وتتركها تصدأ في المخازن؟
على الأقل هذه المتاحف لن تصدأ ولن تتقادم ولن توجه إلى صدر شقيق ذات يوم كما حدث غير مرة في عالمنا العربي، كما انها لن توجه إلى صدور الغاضبين والمحتجين العرب، بل ستكون ارثا انسانيا ملهما لكتاب وشعراء وسينمائيين وموسيقيين عالميين.. وستبدأ طوفانا من الوعي لن تستطيع قنابل اسرائيل النووية ولا ترسانتها العسكرية أن تنال منه.
نحن بإزاء صراع وجودي حضاري ولكي ننتصر يوما لا بد أن نكون على مستواه.. والا تحولنا قولا وفكرا وسلوكا إلى هنود حمر جدد، فمن ذا الذي يرضى بهذا المصير؟؟.
