بالرغم من ان الكثير من التلاميذ والطلبة ينظر إليها على أنها أيام عصيبة ومرهقة وتصيبهم بحمى القلق وضغط الأعصاب، إلا أنها أيام لا تنسى، تعلق وتبقى في الذاكرة، وكل الذين مروا بتجاربها ما زالوا يحفظون حكايات يروونها لمن حولهم، ويصدرونها لأبناهم وبناتهم خصوصا في ليالي الشتاء الباردة الطويلة.

أيام الامتحانات، توتر الساعات والدقائق، التركيز الذي يعتصر خلايا المخ، السهر الالتصاق بالكتاب والورق والحبر لتصبح رائحتهما عطر الليالي والنهارات، الاختباء والانزواء والتوحد مع العقل والمعلومة، مع منطق وفلسفة العلم، مع رياضة اختبار الذاكرة، مع التحليل والربط والاستنتاج، مع الأرقام، مع التاريخ، مع المعادلات الجبرية، مع اللغات والآداب والأضلاع والزوايا.. لحظات لا تنسى، وتجربة في الحياة فريدة من نوعها خصوصا للذين يخوضون اختبارات تعد نتائجها مفصلية ومؤثرة في اختيارات الحياة ومساراتها.. لا أحد ينسى هذه الأيام.. أيام لا تخلو أبداً من مفارقات، فيها المثير وفيها المؤلم وفيها المضحك أيضاً.

على أيامنا وفي حينا المترامي الأطراف، أيام لم يكن في البلد جامعات ولا كليات، كانت المنافسة على أشدها للحصول على بعثة، أو الذهاب إلى الجيش، أو ترك الدراسة بعد الثانوية باعتبارها آخر محطات العلم والتوجه إلى العمل، في أي جهة، كانت الاختيارات صعبة، ثم أنشئت جامعة الإمارات لتصبح أحلام الأسر والأهالي الذين كانوا يضغطون على أبنائهم وبناتهم من اجل الالتحاق بها.

وكانت البعثات في تلك الأيام لها طعم الفراق والرحيل، للذين لم يعتادوا فراق تراب الشطآن ونخيل الواحات، فكانت أيام الامتحانات أياماً فاصلة وفارقة..

وأيام كانت البعثات الطلابية تشد الرحال إلى البلدان العربية، العراق ومصر في أغلبها، وخريجوا ذاك الوطر هم اليوم بيننا «فطاحلة» وطنيون وقوميون حد «النخاع»، أما الذين ذهبوا البلدان الأجنبية وجاءوا البلاد مدججين بالعلم الحديث، فقد كانت عقولهم عملية أكثر من اللازم، صارمون في التعامل مع الأرقام والمواعيد والخطط والبرامج، لم يكونوا شعراء بقدر ما كانوا دقيقين وعمليين وأسهموا إسهامات كبيرة في نهضة وطنهم.

كانت أيام.. وكانت ذكريات، كان تحصيل العلم فيها مصيرا وهدفا تتعلق عليه الآمال، كانت البلاد هماً على كاهل كل الذين ذهبوا بعيدا للدراسة، أو أرادوا الذهاب، كان طعم الأيام تلك مختلفا تماما.

اليوم تبدو البلاد منارة ووجهة علم تزرع في كل بقعة منها منصة له، مئات الجامعات والكليات والاكاديميات من مختلف بقاع العالم، العربي والأجنبي على أنواعه، باختلاف أساليبه ودرجاته، وتخصصات منثورة كما تنثر البذور في السهول الزراعية.. صارت الجامعة والكلية على بعد «فرة حصاة».

mhalyan@albayan.a