من الخطوات الفارقة التي يغبط عليها قادة مجلس التعاون الخليجي، إعطائهم شارة انطلاق الجولة الافتتاحية لأول حوار خليجي روسي في موسكو في 25 إبريل الماضي.
ونفهم من توضيحات عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون أن هذه الخطوة تندرج في إطار توجه عام للمجلس لإجراء سلسلة حوارات مع دول ومجموعات دولية وتكتلات بهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج.
لا نعرف ما إن كانت موسكو أم الأمانة العامة لمجلس التعاون هو الطرف الذي بادر أولاً بالدعوة إلى تدشين هذا النموذج وتحقيق فكرته عملياً؛ لكن المؤكد هو أن مبدأ توسيع آفاق العلاقات الخليجية الدولية وتعميقها، لتمتد إلى عوالم وقوى دولية مركزية صاعدة خارج دائرة الغرب الأوروبي والأميركي، قد راود طويلاً الكثير من أهل الفكر والرأي والحركة السياسية في الرحاب العربية بعامة والخليجية بخاصة.
وعليه، فان الحوار الخليجي الروسي هو في التحليل الأخير أحد التجليات التطبيقية لهذا المبدأ الحميد، الذي يصطف بدوره إلى جانب تجلياته العربية الأشمل، ممثلة في حوارات النظام العربي مع كل من الصين والهند وتركيا وأميركا اللاتينية والاتحاد الأفريقي...
بالنسبة للمجموعة الخليجية تحديداً، فان العمل بنهج الانفتاح الخارجي انطلاقاً من موسكو في هذا التوقيت يبدو استهلالاً موفقاً. فروسيا قطعت شوطاً كبيراً على طريق ترميم ما فقدته من مكانة دولية غداة أفول الاتحاد السوفييتي وتفكك الكتلة الاشتراكية. وهنا يصح الاعتقاد بأن الحوار مع هذا القطب فيما هو يسعى حثيثا لاستعادة هيبته ومقامه العالمي اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً، سوف يسجل نقاطاً إيجابية كثيرة لصالح دول مجلس التعاون، فرادى ومجتمعين.
بكلمات أخرى، تفعل المجموعة العربية الخليجية خيراً إن هي أضمرت في حساباتها مدى العائد الايجابي الذي تستجلبه لنفسها وتضيفه على صورتها بأثر عاجل وآجل، جراء مساهمتها في انتشال عملاق دولي ذي شأن من كبوته وإشعاره مجددا بأهميته وقيمته. ثم إن للحوار مع روسيا عوائد أخرى من طبيعة مصلحية مادية بحتة.. فهي دولة نفطية كبرى؛ من شأن التعاون الحميم والتفاهم معها أن يعززا رصيد دول مجلس التعاون على صعيدي تسعير وتسويق هذه السلعة الاستراتيجية..
وهي إلى ذلك تملك إمكانات مساعدة هذه الدول في المجال الصناعي (البتروكيماويات؛ الطاقة الكهربائية؛ الاستخدامات السلمية للطاقة النووية؛ الأدوية؛ تحلية المياه...)، والمجال الزراعي والتنمية البشرية واستقبال الاستثمارات بأنماطها..
هذا دون الاستطراد إلى أنها دولة لم تفقد كلياً التأثير في موازين القوة العربية الإسرائيلية وإمكانية التعامل مع عدد من الملفات الساخنة عربياً في السودان واليمن والعراق وغيرها، كما أنها صاحبة كلمة مسموعة وصوت راجح في معظم أروقة صناعة القرارات الدولية. ويلزمنا المقام باستذكار التجربة العربية العامة والخليجية الفرعية للحوار- ولعلها الحوارات- الممتدة مع دائرة الغرب بشقيه على جانبي الأطلسي، التي نالت حظها من الاهتمام إلى حد الملل..
بما يوجب مد البصر والبصيرة إلى ما هو أبعد من هذه الدائرة ولا سيما في ضوء انزياح المشهد الدولي، بوتيرة بطيئة ولكن ثابتة، نحو تعددية مراكز القوى والأقطاب عالمياً.
الحوار الخليجي الروسي وما يعد به مجلس التعاون من حوارات موازية مع قوى أخرى جديرة بهذه الآلية الراقية، يمثل استجابة واعية للخريطة الدولية الآخذة في التحول. وإذا كان شعار »الآسيويون قادمون« لا يبتعد عن التشخيص الصحيح للمستقبل القريب الواعد بحضور القوى الآسيوية الناهضة (الصين،الهند، اليابان والنمور الأصغر حجماً..)، فان لأميركا الجنوبية نصيباً في هذا التحول بالمعنى ذاته.
البرازيل مرشح بارز في إطار هذا التشوف. إن أحد أهم ميزات هذه القوى الصاعدة لدى العرب جميعهم، دون استثناء أهل الخليج، خلو تاريخها من أية مواريث أو حمولات سلبية، كالتي يمكن العثور عليها بغزارة في تضاعيف العقل الجمعي العربي بالنسبة لعالم الغرب.
فمن نافلة القول في هذا السياق أن الغرب يتجلى في ذاكرة العرب بحسبه المسؤول الأول، ولعله الوحيد، منذ حروب الفرنجة عند البعض وخلال المئة عام الأخيرة بخاصة، عن أكثر الظواهر والحقائق سلبية في حياتهم..
فالتجزئة الإقليمية وإعاقة الوحدة ومشاريع التنمية واللحاق بركب الحضارة الحديثة والمعاصرة واستزراع الكيان الصهيوني بكل تداعياته المأساوية الدامية في موضع القلب من جغرافيتهم.
كاتب وأكاديمي فلسطيني