التدريبات التي أجراها الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي، كانت من نمط مختلف عن تدريبات ومناورات واظب الجيش على القيام بها منفرداً أو بمشاركة قوات من المارينز الأميركي، وتكثفت خلال السنوات الثلاث الماضية.

التدريبات الأخيرة اتسمت بطابع شمولي، على افتراض أن إسرائيل ستتعرض لقصف صاروخي مكثف من أكثر من جبهة، ويطال كافة أنحاء البلاد.

الطابع العام لهذه التدريبات يوحي وكأن إسرائيل تحضر نفسها لحرب دفاعية تتطلب استنهاض ومشاركة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، العاملة في إطار الدفاع المدني، والمستشفيات والطواقم الطبية، والمؤسسات الخدمية الأخرى بالإضافة إلى الجيش وأجهزة الأمن والشرطة.

الرسالة التي تصدر عن هذه التدريبات، تشير إلى بعدين، الأول ينطوي على خداع وتضليل إذ أن هذا المستوى من التعبئة الشاكلة، لا يتصل بتهديدات حقيقية بحرب يبادر إليها حزب الله أو سوريا أو حركة حماس، بقدر ما أنه يعكس نزوعاً إسرائيلياً للمبادرة إلى حروب، تتوقع معها الحكومة الإسرائيلية أن تكون ردود الفعل عليها من قبل الأطراف المستهدفة، مختلفة عما عرفته إسرائيل في حروبها السابقة مع الأنظمة والجيوش العربية الرسمية.

في حروبها مع العرب، كانت إسرائيل هي المبادرة، باستثناء المفاجأة التي حققتها حرب أكتوبر عام 1973، ولكن حتى حرب أكتوبر، جرت كل الحروب على أراضي عربية خارج جغرافيا فلسطين، غير أن حرب يوليو 2006، على لبنان، أدت إلى تغيير في هذا الوضع، حيث اضطر نحو مليوني إسرائيلي للدخول إلى الملاجئ، تحت وطأة صواريخ حزب الله التي ظلت قادرة على الوصول حتى وقف إطلاق النار.

البعد الثاني لهذه المناورات يتصل إذاً بطبيعة الحروب المقبلة، التي ستجعل كل إسرائيلي مدني أو عسكري، مشارك في الحرب، ومعرض للخطر، وهذا هو مغزى التدريبات الأخرى.

البعض يعتقد بأن هذه المناورات لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد، كمؤشر عملي قوي على إمكانية اندلاع حروب في المنطقة سواء بمبادرة إسرائيل، أو بمبادرة أطراف أخرى، ويعتبر هؤلاء أن للمناورات أغراض سياسية، تذهب في اتجاه التهديد باستخدام القوة، دون استخدامها عملياً من أجل تفكيك التحالف الإيراني ـ السوري ـ اللبناني، واستيعاب الموقف السوري والموقف الحمساوي في إطار الجهود السلمية التي تديرها الولايات المتحدة.

وعملياً فإن المحاولات الأميركية والأوروبية للتواصل مع سوريا وحزب الله وحركة حماس، لم تتوقف وهي تتخذ أفعالاً من الاتصال رسمية وغير رسمية، ففي الوقت الذي كان فيه جون كيري رئيس لجنة العلاقات في الكونغرس الأميركي يزور سوريا ويلتقي رئيسها، كان وفد فرنسي في لبنان، وآخر أميركي غير رسمي تحت عنون لجنة المصالحة الدولية، في قطاع غزة ويلتقي مع رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية.

من الواضح أن المحاولات الأميركية المكثفة لإدارة وإنجاح المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تترافق مع محاولات لتذليل العقبات المحتملة، من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية.

إن الإدارة الأميركية تسعى جاهدة وتعطي فرصة لتفكيك تحالف الممانعة في المنطقة، واستيعاب أطرافها الأساسية خصوصاً سوريا وحركة حماس في إطار جهودها السلمية، الأمر الذي سيسهل إمكانية اتخاذ قرار فلسطيني وقرار عربي.

على الصعيد الفلسطيني الذي يشكل نقطة الارتكاز في مفاوضات التسوية، تدير الإدارة الأميركية مفاوضات خطرة، مستفيدة من واقع الانقسام الفلسطيني الذي يستعصي حله على مصر، إذ في الوقت الذي تحاول فيه استدراج حماس للانخراط بشروط مخففة في العملية السياسية فإنها توظف ذلك في الضغط على السلطة الفلسطينية عبر التلويح بوجود بديل عنها في حال صعدت من ردود فعلها على الاستفزازات الإسرائيلية والنشاطات الاستيطانية التي لم تتوقف.

هذا العامل، أدى إلى نقل جهود المصالحة الفلسطينية من الطاولة العربية التي تمثلها مصر، إلى الطاولة الدولية، الأمر الذي يشكل تعقيداً آخر فوق التعقيدات التي منعت وما تزال تمنع حصول المصالحة.

لقد انقطعت المحاولات الأخيرة التي قام بها رجل الأعمال الفلسطيني المعروف منيب المصري، وأوحت أن الطرفين فتح وحماس على وشك الاتفاق على كيفية معالجة تحفظات حماس والذهاب للمصريين من أجل التوقيع على الوثيقة المصرية، إذ تبدلت الأجواء وعادت لغة الاتهامات واتسع نطاق الاعتقالات، من قبل الطرفين، فالرئيس الفلسطيني يتهم إيران بالمسؤولية عن تعطيل المصالحة ومنع حماس من التوقيع، وحماس تتهم السلطة بالارتهان للضغوط الأميركية ـ الإسرائيلية.

لا يقف الأمر عند هذه الحدود، إذ أن الحديث عن التهديدات باستخدام القوة، أو استخدامها فعلياً، مرتبط شديد الارتباط بالموقف من الملف النووي الإيراني، باعتباره ينطوي على خطر وجودي بالنسبة لإسرائيل التي لا تزال تحرض الولايات المتحدة والدول الغربية من أجل إقرار عقوبات فاعلة ضد إيران.

في ظل هذه التجاذبات تواكب إيران، التدريبات والمناورات الإسرائيلية بتدريبات ومناورات أخرى، تأخذ طابعاً هجومياً ودفاعياً في الوقت ذاته، ولم تكن المناورات الأخيرة في اليوم التالي لبدء المناورات الإسرائيلية سوى رسالة رد مباشر على الرسالة الإسرائيلية سواء كانت دفاعية أو هجومية.

ومن ناحية أخرى لا يمكن عزل هذه الملفات الصعبة، عن ملف الأزمة العراقية وأزمة الوجود الأجنبي في أفغانستان، هذه الملفات التي تترافق أيضاً مع تزايد نشاط وتأثير الجماعات المتطرفة في أكثر من بلد عربي، الأمر الذي ينطوي على تهديدات آجلة إن لم تكن عاجلة للمصالح والاستراتيجيات الأميركية والغربية وللأنظمة المتحالفة معها في هذه المنطقة.

والسؤال هل بإمكان الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، معالجة كل هذه الملفات المعقدة عبر تفكيكها، واستيعابها، ومن ثمة تحويلها إلى عوامل استقرار للإقليم، أم أن الدبلوماسية قد تفشل في التوصل إلى خارطة مصالح تلبي طموحات أطراف عديدة، لا يجمع بين مصالحها جامع؟

وإذا كان بإمكان الولايات المتحدة أن تنجح في ذلك، فهل تنجح في كبح جماح إسرائيل التي تقودها حكومة متطرفة، تقف على فائض قوة، تحتاج إلى تصريفه، عبر حرب أو حروب، لا وسيلة سواها يمكن أن تؤدي إلى تفكيك العقد التي تتسم بها أوضاع المنطقة؟

في النهاية قد يكون ثمن الحرب بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة، أقل من ثمن الدبلوماسية وإرضاء تطلعات الأطراف المعنية بالصراع، فإن كان الأمر كذلك، فإن المناورات الإسرائيلية ذات طابع حربي أكثر مما هي ذات طابع سياسي.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com