عندما كنا صغاراً، كنا ملزمين بحضور طابور الصباح في المدرسة، وكان كل من يتخلف عن الطابور، يضرب ويُلزم أحياناً بالإتيان بولي أمره حتى لا يتكرر ذلك التأخير.

كان طابور الصباح يعدّ في بعض المدارس جزءاً من الحصص الدراسية، وكنت أستغرب كثيراً من بعض أساتذتنا، وخصوصاً العرب، الذين يتفننون في وضع عقوبات صارمة على كل من يدخل الساحة بعد انتهاء قرع الجرس، حتى وإن كان ذلك الطالب جالساً في الفصل منذ الصباح الباكر، فالمهم هو ألا يفوته الطابور ولا تهم الساعة التي حضر فيها إلى المدرسة.

كان الطابور يبدأ بتمارين عسكرية وسط الحر والرطوبة، ثم تنطلق تحية العلم، تعقبها الإذاعة المدرسية التي تمتد لقرابة النصف ساعة. لم نكن نفهم المغزى من تلك الطقوس اليومية، بل إننا لم نتساءل يوماً عن فحوى ذلك الطابور، إلى أن فهمنا اليوم بأن ذلك الطابور البريء لم يكن إلا أداة لغسيل عقول الطلبة وتعزيز توجهات أشخاص معينين، أصحاب رؤى وأيديولوجيات تتصارع فيما بينها داخل أروقة وزارات التربية والتعليم العربية. فعندما يبرز الإسلاميون تجد لغة الإذاعة المدرسية متدينة بحتة، وعندما يسيطر الشيوعيون، تنقلب الآية ويتم تقليل البرامج الدينية، وبين هذا وذاك، ترزح عقول الطلبة المساكين، وتتفرق أفكارهم التي لم يستطع كثير منهم جمع شتاتها حتى اليوم.

إن طابور الصباح هو احد إفرازات فكرة «القومية العربية» التي عفى عليها الزمن، رغم رفض كثير من أنصارها القبول بهذه الحقيقة، وهو أيضاً امتداد للفكر الشيوعي الذي كان الرافد الأساسي للفكر القومي في المنطقة قبل أكثر من خمسين عاماً.

فلقد عُرِفَ الشيوعيون بأسلوب توحيد الخطاب الموجه إلى الشعب، وتوحيد أفكار الناس من خلال الخطابات المكررة والطويلة والمملة في التجمعات والعروض العسكرية أثناء الاحتفالات بالثورات التي لا تخلو من تمجيد لقادتها بأسلوب مبتذل وسطحي.

ثم أتت النازية التي استنسخت تلك الفكرة وجيّرتها لتوحيد الصفوف أثناء الحرب العالمية الثانية، فكانت تبث برامج إذاعية تحمل موسيقى ثورية وعسكرية، وخطابات مطوّلة لهتلر، حتى أصبح معظم أفراد الشعب الألماني يفكّرون بطريقة واحدة، وينظرون إلى الحياة من زاوية واحدة، ويتحدثون بصوت واحد، فبات من الصعب التفريق بينهم.

لقد سعت هذه الأيديولويجيات الزائلة وغيرها إلى إلغاء التعددية في المجتمعات التي نبتت فيها لكي لا يعود هناك مجال للمثقفين من أفراد الشعب حتى يفكّروا أو يطوّروا أو ينتقدوا، فكانت القيادة فقط هي صاحبة الرؤى وهي التي تعلم والناس لا يعلمون، وكل ما تقوله هي صواب لا يحتمل الخطأ، وكل ما يقوله غيرها خطأ لا يحتمل الصواب.

انتهى طابور الصباح في كثير من مدارسنا العربية، وبالتحديد في المدارس الخاصة، التي آثرت أن تخصص ساعة الطابور لكي يلعب الطلبة فيها مع بعضهم البعض ثم يدخلوا الفصل الدراسي وهم مقبلون عليه لا مدبرين عنه. إلا أن هناك طابوراً خامساً آخر، تكاد تشمّ رائحة جذوره المتغلغلة في معظم مؤسساتنا الإعلامية العربية.

تفتح التلفاز فترى أخبار التمجيد لأشخاص معينين، تنتظر قليلاً فتظهر لك الفواصل بين الأخبار وهي مليئة بالمديح والثناء المبتذلين واللذين يفتقدان للذوق العام، في صورة تكاد تهرب الألوان منها لتعيدنا إلى زمن الأبيض والأسود.

يتحدث إعلامنا العربي بلغة واحدة وإن اختلفت اللهجة، ويعتقد القائمون على هذا الخطاب بأنه راسخ وأصيل وأنهم بذلك يملكون عقول الناس وقلوبهم، متناسين أن العقليات التي يتعاملون معها تختلف كثيراً عن تلك التي عاشت فترة الخمسينات من القرن الماضي،.

حيث أصبحت المعلومة في متناول الأيدي، وأصبح الناس أكثر انفتاحا على الإعلام العالمي الذي فضح قنواتنا وصحفنا العربية التي يخلو كثير منها من الحقيقة، فاضطررنا كعرب، أن نتابع ذلك النوع الجديد من الإعلام لنعرف ماذا يحصل في مجتمعاتنا.

إن بعض الصحف والقنوات العربية اليوم تسخر طاقتها وطواقمها الإخبارية لتحقيق أحد الهدفين التاليين: إما تمجيد ملاك القناة والترويج لبطولاتهم وأدوارهم الخارقة في المجتمع، أو إغراق الساحة ببرامج ترفيهية سطحية تستعمل المرأة فيها كسلعة تباع وتشترى للحصول على أكبر عدد من المشاهدين وبالتالي بيع أكبر عدد من المساحات الإعلانية.

إن الإعلام لا يعمل من فراغ، ولكنه يستمد جذوره من المجتمعات التي ينطلق منها ويعبّر عنها، إلا إعلامنا العربي، الذي يبدو أنه يسعى لعكس تلك المعادلة وفرض نفسه على المجتمعات العربية كنبات الفطر الذي ينبت في غير مكان.

حتى بعض تجاربنا الإعلامية الجادة، تبقى مراوغة وغير قادرة على الجمع بين الصراحة والاتزان في نفس الوقت، فبعض المتحمسين من الإعلاميين يندفعون كسيل عرم يدمّر كل ما يمر عليه، مدّعين أنهم يريدون إصلاح المجتمع.

إن جريمة أدلجة الإعلام لا تختلف عن جريمة أدلجة الدين في عالمنا العربي، وفي خضم هذه الجرائم الحضارية، يقف التاريخ حائراً بين تدوينها كما هي، وبين التغاضي عنها حتى لا يُغضب المسؤولين فيُمنع من الكتابة، وفي كل الأحوال فإن تاريخنا العربي المعاصر سيظل إلى أجل غير مسمّى «شاهد ما شافش حاجة».

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com