ثمة أكثر من عقدة في المشهد السياسي العراقي، تعيق تسمية رئيس الوزراء للسنوات الأربع المقبلة، وتكرس حالة الجمود، رغم كثافة الحراك السياسي في ساحاته. فمع كثرة التحليلات لواقع العراق وتباين الاستنتاجات حول مستقبله وتعدد المسالك والمسارات التي رسمت لذلك، وتنوع المواقف مما يجري فيه، إلا أن من الممكن القول بأن المهتمين بالشأن العراقي، ينقسمون إلى فريقين في مقاربتهم لأزمته السياسية الراهنة.

الفريق الأول متفائل بقرب التوصل لصيغة ما لتشكيل حكومة تعددت تسمياتها، فهي لدى البعض حكومة وحدة وطنية، ولدى آخرين حكومة شراكة وطنية. أما الفريق الثاني فهو غير متفائل، لأسباب أخرى، وذلك لأنه يرى أن الحراك السياسي الجاري يتم بأهداف ومناهج وأدوات قد تخرج العراق من أزمة تشكيل الوزارة، إلا أنها، من جهة أخرى، تبقيه أسير نظام المحاصصة العرقية والطائفية المقيت، الذي ابتدأ العمل به منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

لم تسفر الانتخابات الأخيرة لمجلس النواب عن فوز حاسم لكتلة سياسية واحدة تتوافر لديها المقاعد النيابية الكافية لتشكيل الحكومة وحدها، وإنما أفرزت برلماناً معلقاً تتصارع الكتل الكبيرة فيه للحصول على منصب رئاسة الوزارة، وسط خلافات شديدة ومناورات في داخل العراق وخارجه.

فموازين القوى التي تميزت بها العملية السياسية خلال السنوات المنصرمة، لم تتغير كثيراً بل حافظت، بشكل عام، على اتجاهاتها العامة.

إلا أن هذه الانتخابات قد أفرزت، من جانب آخر، معطيات جديدة عززت التوجه نحو تغيير لا بد منه، للخروج من أسر ثوابت العملية السياسية التي أضرت كثيراً بفرص عودة العراق إلى الدور الفاعل الذي ينبغي أن يكون له في منطقة الشرق الأوسط، وأضرت كذلك بجميع ما يتعلق بسلامة القنوات التي توفر حياة أفضل للمواطن العراقي.

المعطيات تتلخص في بدء تآكل الكيانات التي تصدرت العملية السياسية على أسس الانتماء لجذورها العرقية والطائفية، من جهة، وضعف قبضة القيادات التي رسمت هذا النهج، من جهة أخرى.

ويتضح ذلك: أولاً؛ في انقسام كتلة الائتلاف العراقي الموحد الشيعية إلى كتلتين متنافستين. وثانياً؛ في تمزق جبهة التوافق السنية وهزيمتها في الانتخابات التي حصلت فيها على ستة مقاعد نيابية فقط، في حين كان لديها ثلاثة وأربعون مقعداً في مجلس النواب المنتهية ولايته.

وثالثاً؛ في الضعف الذي بدأ بالتسرب إلى جسد التحالف الكردستاني، بعد أن شهد شارع إقليم كردستان ميلاد كتلة التغيير، التي غيرت معادلات التوازن في برلمان الإقليم، وخلقت معادلات توازن جديدة داخل التحالف الكردستاني، ارتخت في ضوئها قبضات القيادات الكردية التقليدية.

والحقيقة أن ما نشهده من حراك سياسي في العراق لا يدعو للتفاؤل، فهناك إصرار على إعاقة أي توجه نحو التغيير، وإصرار على التمسك بنهج الاصطفافات الطائفية والعودة إلى المربع الأول، رغم ما عاناه العراق من جراء ذلك.

فالعمل على ترميم الائتلاف العراقي الموحد، عن طريق توحيد ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي، لا يعبر عن إرادة أفراد قلائل في مواقع القيادة في هذين الائتلافين، وإنما يعبر عن إرادات قوى تلعب دوراً فاعلاً في قضايا الشرق الأوسط، وخاصة في العراق.

فحين يقول رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، في أكثر من مناسبة، ويشاركه آخرون من قادة الائتلافين في ذلك، «إن تحالف ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني سيكون المعني بتسمية المرشح لمنصب رئيس الوزراء المقبل»، فإنه يتحدث عن ثوابت أقوى من الدستور وأقوى من إرادة الناخب.

فعلى الرغم من أن نقاط الاختلاف بين هذين الائتلافين تجعل من الصعب استمرار تحالفهما لفترة طويلة، إلا أنهما يجب أن يتحدا في كتلة واحدة، تستطيع التسلل عبر ثغرات الدستور لتسيطر على مقاليد الحكم وتستمر في الإمساك بالخيوط الرئيسية في العملية السياسية، فهو تحالف من أجل الحصول على منصب رئيس الوزراء فحسب.

أحد أبرز هذه الثوابت، هو دور إيران السلبي في العراق الذي لا يستطيع أحد إنكاره، رغم أن المسؤولين العراقيين يتجاهلون ذلك ويرفضون الخوض فيه، بل قد تدربوا على الإفلات من الإشارة إليه حين يحاول أحد إحراجهم.

فها هو الرئيس العراقي جلال الطالباني يتجنب الخوض في ما يتعلق بالموقف الرسمي الإيراني من الشؤون الداخلية العراقية، وبشكل خاص تشكيل الوزارة الجديدة، في التصريحات التي أدلى بها لصحيفة «الشرق الأوسط» في الثالث والعشرين من مايو الجاري، حين قال، رداً على سؤال حول دور إيران في دفع الائتلافين للتحالف: «الضغط لتوحيد الصف الشيعي يأتي من المرجعيات الدينية، سواء كان من المرجعية الدينية في النجف الأشرف أو من المرجعية الدينية في إيران».

العملية السياسية مصابة بالشلل، بسبب هذه التدخلات وخضوع بعض الكتل السياسية لها، وليس من المتوقع أن تتعافى بمجرد الاتفاق على شخص رئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة ترضي الفرقاء، فالموضوع أبعد كثيراً من ذلك.

فما لم تتم إعادة النظر في علاقات بعض الأحزاب والكتل السياسية بالدول الأخرى، وما لم يشرّع قانون لتنظيم عمل الأحزاب يلزمها بالكشف عن علاقاتها الخارجية وعن مصادر تمويلها، سيبقى العراق كسيحاً غير قادر على النهوض من الحالة المزرية التي أصبح فيها.

فبالقدر الذي تتقلص به مساحات هذه العلاقات، تتقلص مساحات التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، وبنفس القدر تتعافى العملية السياسية وتتضاعف فرص العراق لاستعادة سيادته.

كاتب عراقي

ea.ten.setarime@lamajam