عقد في اسطنبول التركية بداية الأسبوع الحالي، المؤتمر الدولي لإعادة إعمار الصومال، برعاية الحكومة التركية وبدعم الأمم المتحدة التي شارك أمينُها العام بان كي مون في أعماله.
كما شارك فيه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيسُ الصومالي شيخ شريف شيخ أحمد، وممثلون من خمسين دولة واثنتي عشرة منظمة دولية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية بوراك أوزوغرغن، إن رعاية تركيا للمؤتمر تأتي في إطار استراتيجية مد اليد إلى إفريقيا.
وهدف المؤتمر، ضمن أمور أخرى، إلى طرح الأفكار حول قضايا من قبيل الوضع الأمني والقرصنة، حسب قول حسن حايله، الناطق بلسان الرئيس الصومالي.
وهذا المؤتمر يؤكد أن ما يحدث في الصومال ما زال يحظى باهتمام العالم، لأن القرصنة البحرية تؤثر على التجارة العالمية، فضلا عن أن غياب الدولة وتفككها هناك، يمكن ان يجعل من الصومال منطقة وجود لتنظيم القاعدة أو الجماعات المسلحة المتطرفة الأخرى، التي تواجهها الولايات المتحدة في ما يسمى «الحرب ضد الإرهاب».
فضلا عن أن رعاية تركيا للمؤتمر، تعنى أنها تريد أن يكون لها موضع قدم في إفريقيا، وهو ما يمكن أن يكون بهدف منافسة إيران التي نشطت سياستها الإفريقية خلال السنوات الماضية، ما أثار حفيظة دول حليفة لتركيا وفي منطقة جوارها الجغرافي، خاصة بعض الدول التي نظرت إلى التحركات الإيرانية في إفريقيا بمنظار مذهبي، حتى ولو كانت تلك الدول غير مذهبية أو مهتمة بالمذاهب أصلا.
وقد يكون الاهتمام التركى الراهن بإفريقيا ليس فقط بهدف منافسة إيران، وإنما بهدف الحليولة دون تأثير الفوضى الجارية في الصومال حاليا وانتشار الجماعات المتطرفة المسلحة إلى مناطق جوارها، خاصة في منطقة الخليج العربي وبعض مناطق آسيا الوسطي.
ومن الأمور المهمة التي تتعلق بهذا الاجتماع الدولي، أنه فضلا عن كونه يعكس اهتمام المجتمع الدولي بما يجري في الصومال، فإنه في نفس الوقت يؤكد أن الرؤية الدولية حول الفوضى الصومالية، وظاهرة القرصنة إحدى تجلياتها، ترى أن تنمية الصومال هي إحدى سبل الحل، ليس فقط عبر المواجهة الأمنية التي كانت هي محور مؤتمرات أخرى دولية وإقليمية حول الصومال، كان معظمها ينتهي إلى توصيات أمنية لوقف ظاهرة القرصنة، وتم تنفيذ تلك التوصيات لكن الظاهرة لم تختف.
وقد كان المتخصصون في شؤون الصومال وشرق إفريقيا، يرون أن أي مواجهة للظاهرة لا بد أن تمزج بين ثلاثة مستويات؛ الأول أمنى يتمثل في زيادة القوات البحرية في منطقة البحر الأحمر.
والثاني تنموى عبر مشروعات للتنمية في الصومال تستهدف إيجاد فرص للحياة والعمل للسكان هناك، والثالث سياسي عبر إعادة الدولة الصومالية إلى القيام بدورها وبسط سيادتها على كامل الأراضي الصومالية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. وقد تكون المعونات الدولية والمساعدات الاقتصادية من الوسائل المهمة في تحقيق هذا الهدف، عبر المؤتمر الذي عقد في تركيا أو مؤتمرات أخرى شبيهة.
وقد عقد مؤتمر اسطنبول في وقت يثور فيه جدل حول المساعدات الدولية إلى الصومال، فقبل أيام من عقده قال الأمين العام للأمم المتحدة إنه سيتخذ خطوات لمنع تحويل مسار المساعدات المرسلة إلى الصومال.
وأفاد مون في تقرير عن المساعدات إلى الصومال، إن الأمم المتحدة أعدت بنك معلومات يتضمن قائمة بأسماء الهيئات التي تقدم خدمات لها في الصومال والمقاولين العاملين هناك، بغرض متابعة خط سير المساعدات.
وكان تقرير صادر عن مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، قد توصل في مارس الماضي إلى أن نصف المساعدات المرسلة إلى الصومال، ينتهي في مستودعات مقاولين فاسدين ومسلحين متطرفين وموظفين محليين في الأمم المتحدة. وطالب التقرير الأمين العام بفتح تحقيق مستقل حول عمليات منظمة الأغذية العالمية في الصومال، وإنشاء بنك معلومات يتضمن أسماء المشبوهين بخطف عمال الإغاثة.
وقال كي مون، إن فريق الأمم المتحدة في الصومال بدأ في تنفيذ برنامج «التعامل مع مصادر الخطر»، لمواجهة المشاكل التي لفت الانتباه إليها التقرير، وأنه تمت مراجعة وسائل الرقابة الداخلية على أنظمة التحويلات المالية داخل الصومال.
وقد لفتت اتهامات تحويل مسار المساعدات، انتباه الولايات المتحدة التي قلصت مساعداتها لبرنامج الغذاء العالمي في مناطق الصومال التي يسيطر عليها تنظيم «شباب المجاهدين» الذي تعتبره الولايات المتحدة «منظمة إرهابية ومتطرفة».
ويثور جدل حول فعالية توصيات المؤتمر الأخير، في ظل أن الحكومة الصومالية المدعومة من قبل الأمم المتحدة، لا تسيطر إلا على مساحة محدودة من العاصمة مقديشو، تساعدها في ذلك قوة افريقية يبلغ قوامها 3500 عنصر، وتتعرض المقرات الحكومية لهجمات يشنها المتمردون بشكل يومي تقريبا. ولم يفلح الرئيس شيخ أحمد في تأمين الخدمات أو توفير الأمن للشعب الصومالي، رغم مرور أكثر من عام على وجوده في الحكم.
وهناك إجماع على أن إدارة شيخ أحمد شبه مشلولة، نتيجة الصراعات بين أجنحتها المختلفة. وهذه الحقائق تعني أنه مهما توصل المؤتمر إلى توصيات، فإن الجهات المعنية بالتنفيذ ستجد صعوبات في تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها التوصيات.
إن جهود الأمم المتحدة التنموية المتعلقة بالصومال، لكي تنجح لا بد أن تصاحبها تحركات سياسية تتعلق بالحوار الداخلي بين الفصائل المختلفة، من أجل إعادة الاستقرار إلى الدولة مرة أخرى، لأن جهود التنمية لا يمكن أن تنجح في ظل الفوضى السائدة هناك حاليا.
كاتب مصري